نقل عن بعضهم أن باب التوبة مفتوح, وان السيد إذا ما توجهنا
إليه بالدعاء والرجاء منّ علينا بزائد العطاء وغفر لنا ما تقدم من
ذنبنا, وربما ما تأخر, ومحا عنا كل
البلاء.
وإني من فوري مبادر إلى ذلكم ولاجم شيطاني وقبله ملاكي واطئ
قلمي للكتابة.
نزعت عني جواربي وحملت قلمي بحافري وسودت ورقة بهذا
الإعلان:
سيدي يا صاحب الجلالة, واسمح لي بمخاطبتك, فامنن علي. إني أريد
الاعتذار وإعلان التوبة!
سيدي يا صاحب الجلالة أعتذر لك, فأنت منزه عن كل ما ينسب إليك
فحاشاك. أنت لم تعتقل أحلامي وآمالي حاشاك, ولا أنت شردتني وإخواني
حاشاك حاشاك, ولا أنت حطمت أضلعي وأثرت آلامي حاشاك, حاشاك,
حاشاك..
ولا أنت أبحت عرضي ونساء خلاني حاشاك, ولا أنت جوّعت أبناء
ترابي ولا أدخلت عليهم صهيون ولا خوان
حا..شا..ك...
ولا أنت ظلمت ولا احتكرت الحكم ولا المال ولا الخبز ولا
الهواء.
ولا أنت, ولا أنت, ولا أنت...
كلهم لا يعرفونك! ولا يفترون عليك إلا كذبا وبهتانا, فهم
إرهابيون وضالون مضلون.
أما أنت! فأنت ما أنت ومن
أنت!؟
كل ما يعجز القلم عن خطه, والفكر عن وصفه واللسان عن نطقه, أنت
كما حدثت عن نفسك لا خير من دونك يأتي ولا شر, ولا ضياء ولا
سواد.
...
فاغفر لي سيدي وهذا اعتذاري:
أعتذر لك سيدي, يا سيدي, ولك وحدك أعتذر, لك أنت دون غيرك
أعتذر!
أعتذر لك سيدي عن قسوة خدي إذ وطأته رجلاك, أعتذر فالجوع لم
يترك للشحم ولا للحم مكانا تطبع عليه علامات دوسك
المقدس.
أعتذر لك سيدي, يا سيدي أعتذر, إذا ما صدرعني, غفلة! آهة أو
أنة, فعظام صدري إذ هشمتها عصت أوامري فآلمتني, كان يجب أن تهلل وتطلب
مزيد المنّ والعطاء.
أعتذر لك سيدي إذ تجرأت يوما أو ساعة أو لحظة على القراءة أو
الكتابة أو السماع أو الإبصار أو التنفس, أعتذر لك سيدي فكل ذلك والله,
عفوا, ومقامك, من وسوسة الشيطان.
أعتذر لك سيدي إن كانت في المنام راودتني, رغما عني, أحلام,
فتراءت لي صور, محرمات, عن بعض خبز أو بعض ماء يداعب خواء بطني ويعده
بيوم يطلّق فيه الجوع والغثاء. لم يخبرني أبي, وكثيرة, هي الأشياء التي
أخفاها عني, لم يخبرني أن الجوع خيارك
المفضل.
أعتذر لك سيدي وأعلن توبتي, وتوبة أمي وأبي إذ زاد بهما الشوق
إلي يوما فرزقاني, أعتذر لك أن جئت يوما للدنيا دون إذن منك, أعتذر لك
وأعلن توبتي عن الحياة.
أعتذر لك سيدي إن سعت قدماي يوما على التراب ويداي, فقد توهمت
خطأ, أن حبّ الأرض مباح, لم يخبرني أبي, وكثيرة هي الأشياء التي أخفاها
عني, أن السعي على الأرض في شرعكم حرام. أعتذر لك سيدي عن أبي, إن أنت
سمحت لي, فهو رجل أميّ لا يعرف الكتابة ولا القراءة إذ لم يعلمه أبوه
إلا الحفر في التراب وزرع الأحلام. أعتذر لك سيدي, إن أنت سمحت لي, عن
أبي وجدي وكل أسلافي, وإني اليوم أمزق رحمي وأعلن توبة فامنن علي
بالعطاء.
اعتذر لك سيدي إن تجرأت يوما فاخترت دون إذن منك ولا سماح فقد
توهمت أن الهواء مباح.
أعتذر لك سيدي إن خفق قلبي يوما بالحب وحلم بزوجة وأبناء وبعض
من الكرامة والإخاء.
أعتذر لك سيدي عن كل أوهامي وأحلامي وغفلتي وجنوني وحبي
وكراهيتي وكل خلجات صدري , أعتذر لك وأعلن توبتي إليك, فقد تخلصت من كل
معاني الحياة والموت.
أعتذر لك سيدي حتى عن هذه الكلمات, أعتذر لك سيدي فهذه آخر
الكلمات.