بـيـان للـشـعـب الـتـونـسي
إعلان فتح الفضاء الدستوري

إيمانا بقيم المواطنة و مساهمة في ترسيخ وعي دستوري جمهوري ديموقراطي عميق و استلهاما من كفاح الشعب التونسي المرير منذ قرن ونصف ضد كل أشكال القمع و الاستعمار و الاستبداد و نحن نقف إكبارا و إجلالا للترحم على شهداء انتفاضته الخالدة و هو ينادي بدستور و ببرلمان تونسي يوم 9 أفريل 1938 ونحن نحي ذكراها الرابعة و الستون.
وتجاوزا للتعديلات السابقة و الأخيرة التي أدخلت على نص دستور 1959 في غياب شروط الديموقراطية و المشاركة الفعلية للشعب و حرصا على وضع المسألة الدستورية في إطارها الأشمل و في سياقها الصحيح بعيدا عن كل أصناف المناورات السياسية الرامية إلى تبرير الأحادية و الإقصاء.
ورفضا للرغبة في الانفراد بالحكم المطلق التي سادت منذ الاستقلال و حالت دون قيام دولة المؤسسات و تجسيد مبدأ فصل السلط و استقلالها.

نـعـلـن

فشل دستور 1 - 6 – 1959 الذي استوفى وضيفته التاريخية من جراء بنيته الأساسية التي قامت على وضع آلية نظام رئاسي فردي من جهة وانتهاك متواصل لنصه بما في ذلك التنقيحات التي قوضت ما تبقى فيه من أسس ديموقراطية من جهة أخرى ، وهو فشل في ضبط السلطة بالشرعية و عجز عن تقييدها بمقومات النظام الجمهوري و متطلبات الصالح العام و أخفق في حماية مقومات المواطنة من حقوق و حريات و أولها اعتبارها مرجع الشرعية المؤسسة لكل السلط.
تجندنا للعمل على نشر الوعي بالمؤسسة الدستورية و حشد و تعبئة الطاقات من حولها و إرجاعها إلى المواطن باعتبارها محصلة حقوق سياسية تجعل منه مصدر الشرعية و أ ولها السلطة التأسيسية.
ضرورة تـعبئة كل الطاقات الوطنية من أجل خلق جبهة دستورية جمهورية ديموقراطية تستعيد المبادرة في إعادة تأسيس الجمهورية على أساس الحرية و المساواة بين كل المواطنين و المواطنات بما يعيد لمؤسساتنا الدستورية كل سلطاتها.
إن فتح الفضاء الدستوري مهمة تاريخية حضارية تقطع نهائيا مع ما ترسب من أشكال الممارسة السياسية بإعلان بداية المرحلة التأسيسية برمتها بين كل المواطنين و المواطنات أفرادا و أحزابا و جمعيات و نقابات و مؤسسات للانخراط فيها و الارتقاء بدولتنا نحو الجمهورية الديموقراطية.
إن الفضاء الدستوري ينفتح لكل الطاقات الفردية و الجماعية على اختلاف مكوناتها الاجتماعية و الفكرية للتضافر على تقديم الحلول الحقيقية للأسئلة الأساسية التي تفرضها المرحلة التاريخية.
إن الفضاء الدستوري مبادرة تأسيسية لا تنخرط في أي شكل تنظيمي تنفتح على جميع الآفاق و في كل مكان على أساس الاختلاف و الحرية لا تحمل مشروعا في ذاتها لذاتها و إنما تعبر عن منطق الدولة الوضعية الجمهورية الديموقراطية الحديثة.

المرسى في : 9 - أفريل - 2002.

المــوقـعـون :
هشام موسى - المختار اليحياوي - سعاد الغربي -  محمد القوماني - نزيهة رجيبة الجلالي - بشرى بالحاج حميدة - صالح الحمزاوي - جلول عزونة - صلاح الدين الجورشي - العياشي الهمامي - شوقي الطبيب -  صدري الخياري - محمد الطاهر الشايب - الحبيب الزيادي.


 

إســــــتـــــــــــفـــــــــتــــــــــــــــاء 26 مــــــــــــــــــاي
يفتقد إلى الشرعية السياسية وإلى المشروعية القانونية

ابتداءا من صباح يوم 27 ماي الجاري سيطلع علينا أساطين نظام الحكم في زهو وخيلاء ترافقهم جوقـة الإعلام الرسمي لتملأ الدنيا بطوفان آيات الإكبار والإفتخار بشعب مخلص لقيادته البارة فقال لها في إستفتاء شعبي جدا وديمقراطي جدا وشفاف جدا. إستفتاء كرس بحق سيادة الشعب ومبادئ الجمهورية. أن "نعم للإصلاح الدستوري الجوهري" . و هو ما يفرض على هؤلاء أصحاب النفوس المريضة المصطادين في الماء العكر أن يخرسوا ويكمموا أفواههم . فالشعب العظيم قال كلمته لصالح القيادة العظيمة !!
وستتوالى هذه الأنشودة وستملأ البلاد وستشغل المواطنين لمدة طويلة. فالإنجاز عظيم عظيم والكسب منقطع النظير فهو يضاهي بل هو يمثل في حقيقته الفصل الثاني من التحول المبارك ... إنه 7 نوفمبر رقم 2.
ولأن شعبنا بما فيه حتى هؤلاء النساء والرجال العاديين المنضوين في شعب حزب الحكم و لجان أحيائه وسائر هيئاته القاعدية أصبح لا يعير أي اهتمام لطنين الجوقة الإعلامية المكلفة بمهمة مغالطته وتدويخه. فإن هذه الجوقة وأسيادها وكذا أساطين الحكم وكوادره ونخبة الموالين له هم أعجز ما يكونوا عن التملص من المسئولية التاريخية العالقة بهم بشأن هذا الإستفتاء بوصفه إجراء سياسي من الدرجة الأولى مورس لأول مرة في تونس بالمباغتة والتمويه والمغالطة لتزوير إرادة الشعب والإضرار به فكان بذلك إستفتاء يفتقد إلى الشرعية السياسية "Légitimité politique" في مضمونه كافتقاده للمشروعية القانونية "légalité"  في شكله.

أولا: انعدام الشرعية السياسية لإستفتاء 26 ماي 2002:

الشرعية السياسية هي أن يكون التدبير الذي يقرره الحاكم يتناغم بانسجام إن لم يتطابق مع مقتضيات مصلحة المحكومين وطموحات أوسع الجماهير.
وعليه فسيتصدى لنا من يقول أن خير دليل على توفر الشرعية السياسية لإستفتاء 26 ماي 2002 أنه وقع عرضه على الشعب فوافق على مضمونه بكثافة كبيرة مما يبرهن على تماشيه مع مصلحته اذ لا يعقل أن يوافق شعب ما على أمر مخالف لمصلحته.
إلا أن مثل هذا الاعتراض يتجاهل أهمية المناخ ودور الملابسات الخاصة في إمكانية إفراغ أي إستفتاء شعبي من محتواه ليصبح أداة تزوير بل تحويله من تقنية لممارسة الديمقراطية الى رافد إسناد للإستبداد والديكتاتورية. وهذا هو بالضبط ما وقع في بلادنا بشان أول إستفتاء شعبي أقدمت عليه السلطة.
فبقطع النظر عن سير عمليات الإستفتاء وما قد يشوبها من تجاوزات قد تصل إلى حد تزوير النتائج فإن عدم شرعية هذا الإستفتاء لا تتأتى من هذا الجانب فقط بل إنها تنبع من أمرين اثنين آخرين أولهما تعارض مضمون الإصلاح الدستوري موضوع الإستفتاء مع المصالح العليا للبلاد وثانيها ركون السلطة إلى مغالطة الشعب وحجب الحقائق عنه لمنعه من الوقوف على حقيقة ما وقع استفتاؤه فيه.
1- تعارض مضمون الإصلاح الدستوري مع مصلحة البلاد العليا : سبق لنا في مقالين سابقين (1) إن أبرزنا أن جميع ما تضمنه "الإصلاح الدستوري الجوهري" سيء الذكر يعتبر كارثة دستورية ونكوص سياسي على الأعقاب (2). وبهذا المعنى فهو يقف على طرفي نقيض مع حاجة البلاد في الوقت الراهن إلى الإجراءات الكفيلة بإخراجها من عنق الزجاجة الذي أوصلها إليه تدريجيا نظام الحكم النوفمبري.
إلا أن ما نود التشديد عليه هنا هو أن هذا الإصلاح الدستوري الجوهري الفاقد لأية صلة مع مصالح البلاد والعباد هو عمل يستجيب في جميع مفرداته إلى رغبات الرئيس الحالي كاستجابته في ذات الوقت إلى الطموحات الحزبية الضيقة لحزب الحكم ( التجمع الدستوري الديمقراطي ) وهو بذلك نموذج متخلف لتطويع الدستور للنزوات الظرفية والفردية والفئوية.
ان دستور أي بلاد هو قانونها الأساسي الأعلى وهو المعبر عن ضميرها الجمعي في أعلى تعبيراته السياسية وفي أوسع تركيبته الجماهيرية. ومن ثمة فإن عملية وضعه و تنقيحه وتأويله تكون موسومة بهذا الطابع الجمعي الواسع المتعالي عن مصالح أفراد الحكام والأحزاب و إلا فإن الدستور يفقد صفته تلك وكنهه ذاك وبدل أن يكون أداة لحماية الحرية ومنع الاستبداد يتحول إلى سلاح في يد الطغمة الحاكمة يسهل لها القمع وتشرع به العدوان. وفي هذا الإطار بالتحديد يندرج الإصلاح الدستوري موضوع الإستفتاء .
فلأن الرئيس الحالي قد استنفذ دورات ترشحه ويشتهي البقاء في السلطة فانه لا مندوحة عليه من نكث العهد الذي قطعه على نفسه يوم تربع على السلطة فقام بتغيير الدستور بما يضمن له البقاء في الرئاسة حتى يبلغ الشيخوخة (3) وهو إذ يقدم على ذلك فدون أدنى اكتراث بما سبق ان إلتاعت منه البلاد جراء الرئاسة مدى الحياة وشيخوخة رئيس الدولة السابق ودون إستحضار ما يفرضه عليه واجب الأمانة من الوفاء بالعهد (4).
ولان رئيس الدولة الحالي يخشى غوائل الأيام ويريد تأمين نفسه من كوالحها فلا ضير له من تغيير الدستور للإستئثار بحصانة قضائية لخاصة نفسه (5) وهو إذ يفعل ذلك فتكريس منه لما يلهج به دائما من السعي إلى الامتياز والتألق .
ولان الرئيس الحالي لا يقر له قرار ولا يطمئن في قرطاج إلا إذا كان قادرا على التحكم في كل شاردة والتوقي من شر كل واردة فإنه لا بد له من تغيير الدستور بما يكفل له استجماع الدواليب المفصلية للسلطة بين يديه (6) و بالمقابل إضعاف أجهزة الدولة ذات العلاقة وخصوصا مجلس النواب (7) وهو إذ يتقدم في هذا الاتجاه فبخطى شاسعة لا تلوي على شيء سوى السعي إلى استكمال أدوات الديكتاتورية على الطريقة الأوتوقراطية.
إن الرئيس الحالي إذ يطوع الدستور لأغراضه الخاصة على هذا النحو. وإذ يحول الدستور ويحرفه عن أساس وجوده  فإنه لم يتساءل لحطة عن مصلحة البلاد والعباد من خلال هذه التنقيحات. وهو لو فعل -وأنى له أن يفعل- لأمكنه تلمس المكامن التي تتموقع فيها رغبات الشعب وطموحاته في هذه المرحلة . وهي بالقطع ليست تلك التي تضمنها "الإصلاح الدستوري " موضوع الإستفتاء.
و لأن تطويع الدستور واعتباره خرقة صالحة لكي تفصل على المقاس غدا في بلادنا قاعدة متاحة وممارسة سهلة فانه لا مانع أيضا من تشريك حزب الحكم في هذه الوليمة الدستورية وتمكينه من نصيبه فيها.
و إعمالا لهذه القاعدة وطالما أن التجمع الدستوري الديمقراطي لا يرضى بغير أن يكون في الحكم فإنه لا مجال لعدم الاستجابة لرغباته الخاصة عبر تغيير الدستور وذلك بجعله يتحكم في مآلات الترشح لرئاسة الجمهورية إلى أمد بعيد (8) وحتى إذا ما اتيح لأحد اختراق هذا الحاجز فإن حظوظه في الوصول إلى المنصب تكاد ان تكون منعدمة جراء انعدام المساواة عند التنافس (9).
فأين مصلحة البلاد من كل هذا؟ بالقطع أنه لا وجود لها في مثل هذا التحايل الدستوري الذي لا هدف منه إلا خدمة السلطان وغنيمة الحكام على حساب المحكومين.
ولكون الأمر كذلك ولان "الإصلاح الدستوري الجوهري " لا شان له بمصلحة الشعب فإنه كان لزاما على السلطة أن تركن في هذا المضمار إلى سبل التضليل والمغالطة والتغرير لتمريره.2- الـتغـريـر الـواسـع بـالشـعـب :منذ 07 نوفمبر 2001 تاريخ الإعلان عن "الإصلاح الدستوري الجوهري" تجندت وسائل الإعلام والأجهزة الدعائية والحزبية محتكرة جميع الفضاءات لتقيم الدنيا ولا تقعدها وهي تلهج بمآثر هذا الإصلاح الدستوري "العظيم" الذي سيحقق النقلة النوعية المنشودة لتونس نحو الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان ودولة القانون و الخ...والخ من العبارات الطنانة التي تتعارض بدءا مع ما ركنت إليه السلطة من أساليب وطرائق تشترك فيما بينهما في هدف واحد هو حجب حقيقة عدوانها السافر على الدستور للحيلولة دون تفطن الشعب إلى ما دبر له من وراء ستار.
ان الدستور بوصفه القانون الأساسي الناظم للمجتمع السياسي هو شأن عام بامتياز بما يستتبع ذلك من ضرورة التعامل مع أي تنقيح له وفق هذه القاعدة التي تعني افساح المجال لأوسع مكونات المجتمع للمشاركة ليس فقط في رسم ملامحه في مستوى التصور بل وأيضا في مناقشته وتقييمه بعد صياغته.
ولعل السلطة القائمة وشعورا منها بان ما سمته " إصلاح دستوري جوهري" هو شأن خاص بها لا يخدم إلا مصالحها كما أوضحنا فإنها انفردت به تصورا ووضعا وصياغة وترويجا منعا لتدخل أي كان قد يكشف المستور ويعري العورات ويفسد الأجواء.

وملاحقة لهذه الغاية لجأت أجهزة الحكم القائم إلى وسائل عديدة نذكر منها:

أ - اعتماد المباغتة والتسرع: ذلك ان "الإصلاح الدستوري الجوهري" لم يتطلب إلا ستة أشهر وعشرون يوما فقط (من 07 نوفمبر 2001 إلى 26 ماي 2002) من تاريخ وضعه حتى يوم إستفتاء الشعب عليه مرورا بمصادقة مجلس النواب . وهذه المدة القصيرة جدا تتناقض كليا مع حجم هذا التنقيح (نصف فصول الدستور) وخصوصا مع نوعيته ومجالاته ذات التأثير الكبير على مستقبل البلاد. بل ان هذه المدة تعتبر قياسية من حيث قصرها بالمقارنة مثلا مع التنقيح النوعي السابق للدستور في 08 أفريل 1976 الذي تطلب أكثر من ثلاث سنوات للإستقرار في وضعه النهائي. وإن هذه السرعة القياسية التي مر بها "الإصلاح الدستوري الجوهري" وحرص السلطة القائمة على إنهاء النظر فيه بطريقة ماراطونية هو أمر شديد الاتصال بأسلوب المباغتة المتعين انتهاجه ضمانا لتمرير المضامين التي احتواها المشروع.

ب - انعدام الاستشارة الوطنية : فخلافا لجميع التنقيحات النوعية السابقة للدستور لم يحظ "الإصلاح الدستوري الجوهري" على أهميته بأية استشارة وطنية ولم يقع عرضه حتى على الأحزاب الموالية لإبداء الرأي فيه والتعليق عليه وإثرائه كيفما كان الشأن معها في مواضيع أقل أهمية بكثير مثل القانون الانتخابي أو إصلاح التعليم أو المغفور له الميثاق الوطني وغيره . بل ان السلطة القائمة لم تكتف بذلك إذ عمدت إلى محاصرة وتكميم جميع الأصوات التي لها بعض التحفظ حول التنقيح او المعارضة له (10) ولا شك ان انتهاج السلطة لهذا المسلك لا غاية منه إلا فسح المجال لانفرادها لوحدها للترويج لبضاعتها.

ج - التزوير الإعلامي : إن المتتبع لما أنتجته الجوقة الإعلامية التابعة للسلطة بمناسبة "الإصلاح الدستوري الجوهري" يمكنه الجزم بأنها لم تترك سبيلا إلا انتهجته في سبيل تلميع الوجه الملوث لهدا الإصلاح الكاذب وستر عوراته وتجميل نتوءاته الملغمة . فاستعملت السلطة المال العام واستغلت جميع وسائل الإعلام . واستثمارا منها لنزاهة العلم وثقة الناس في أهله جندت السلطة ما أمكنها من أساتذة الجامعة (الذين لم يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة) ليقولوا للناس أن "الإصلاح الدستوري الجوهري" هو الخير كله فهو مفتاح الديمقراطية وحقوق الإنسان وهو التجسيد الفعلي لسيادة الشعب وهو الضامن للإستقرار والازدهار وانه بدونه سيكون الشر المستطير كله والانحدار والهاوية والمجهول.
ومع الإقرار بأنه لا لوم على هؤلاء الدعاة إن تعسفوا على الحقائق وان قلبوا المفاهيم وان وظفوا العلم فان ما يسترعي الانتباه هو سكوت الإعلام وأبواقه وتعمدها إخفاء الجوانب المفصلية "للإصلاح الدستوري الجوهري" على الشعب فهي لم تتعرض مطلقا إلى الحصانة القضائية ولم تنبس بكلمة عن تغيير قواعد التداول ولم تشر إلى السلطات المجتمعة بيد رأس السلطة وغيرها من النقاط الكارثية التي تضمنها "الإصلاح الدستوري الجوهري". وكان هذه المسائل من المحجر الإعلان عنها أو تداولها. وكأن المسموح به فقط هو الحديث عن تلك التنقيحات الثانوية التي يسهل تكييفها وكسر عنقها لإخفاء سلبياتها وإظهارها في حلة زاهية ليست لها أصلا. من شاكلة تعزيز حقوق الإنسان وتفعيل ضماناتها ومزيد تجذير الولاء لتونس وتوسيع مجال التمثيل بإحداث غرفة ثانية وتطوير العمل الحكومي وتطوير نظام الانتخابات الرئاسية وتوسيع اختصاص المجلس الدستوري الـخ ... (11).

إن السلطة القائمة بتعمدها صرف أنظار الشعب على المسائل الجوهرية التي تضمنها "الإصلاح الدستوري الجوهري" المزعوم وخصوصا تلك التي كانت الدافع الأول والنهائي له إنما تكرس في واقع الحال تزويرا شاملا من شانه الحيلولة دون تمكين أفراد الشعب من معرفة حقيقة ما يجري حوله.

إن الإستفتاء المتعارض مضمونه مع مصالح الشعب المستفتى.
إن الإستفتاء الواقع في ظل حجب حقيقته على الشعب.
إن الإستفتاء المجرى في ظل انفراد المستفيد منه بالترويج والدعاية لبضاعته.
إن الإستفتاء المنظم تحت وقع سياط الزمن والمباغتة.
إن مثل هذا الإستفتاء المزمع اجراؤه يوم 26 ماي 2002 بتونس هو إستفتاء باطل مسبقا وفاقد أصلا لأية شرعية سياسية بما لايحتاج التوقف على نتائجه طالما كانت نتيجة الاقتراع مجرد اغتصاب للإرادة الشعبية المسلوبة.
إلا أن الأغرب في أمر هذا الإستفتاء هو انه ليس فقط منعدم الشرعية من الناحية السياسية بل انه حتى من الناحية القانونية الشكلية يعتبر باطلا بطلانا مطلقا.

ثانيا: بطلان الإستفتاء من الناحية القانونية:

تمكنت السلطة في زمن قياسي من استكمال جميع الاجراءات السابقة للدعوة الى الإستفتاء فبمجرد مصادقة مجلس نوابها في 02 أفريل 2002 على القانون الدستوري المتعلق بتنقيح بعض احكام من الدستور صدر الامر عـدد 629 لسنة 2002 المؤرخ في 03 أفريل 2002 متعلقا بدعوة الناخبين للإستفتاء في مشروع القانون الدستوري المذكور.
وبالاطلاع على هذا الامر عـدد 629 يتضح انه جاء في مخالفة صريحة وواضحة لاحكام الدستور النافذ حاليا (12) بما يترتب عنه قانونا بطلان الإستفتاء موضوعه تكريسا لمبدأ علوية الدستور وتراتبية القواعد القانونية فقد احتوى هذا الامر على فصول عشرة ثلاثة منها متعلقة بدعوة الناخبين للإستفتاء وتاريخ الاقتراع وتوقيته اما السبعة فصول الاخرى فهي قد خاضت في الحملة التفسيرية وبدايتها ونهايتها (الفصل 4) وفي طريقة مشاركة الاحزاب فيها (الفصل 5) وفي اجراءات الترخيص للأحزاب في التمتع بالحصص الاذاعية والتلفزية (الفصل 6) وفي نوعية الظروف ولون أوراق الاقتراع (الفصل 7) وفي طريقة فرز الاصوات (الفصل 8) وفي مراقبة الاحزاب لعملية الانتخاب (الفصل 9). أي ان هذه الفصول السبعة قد ضبطت جميع اطوار عملية الإستفتاء بدءا من اجراءاته وصولا الى نتائجه كما انها حددت حقوق وواجبات المشاركين فيها كيفما قررتها ورأتها السلطة التقديرية المنفردة لرئيس الجمهورية .
الا انه بالرجوع الى الفصل 47 فقرة ثالثة من الدستور نجدها تنص صراحة حرفيا بما نصه "يضبط القانون الانتخابي صيغ اجراء الإستفتاء والاعلان عن نتائجه" ونفس هذه الاحكام كررتها الفقرة الثالثة من الفصل78 من الدستور وهو ما يدل دلالة صريحة على ان الدستور قد جعل شؤون تنظيم الإستفتاء من مشمولات القانون الانتخابي وحده.
والقانون الانتخابي كما هو حال سائر القواعد القانونية الصادرة في شكل وباسم قانون هو شان من أخص اختصاصات مجلس النواب أي المجلس التشريعي سيما ان الفقرة 7 من الفصل 28 من الدستور أكدت على انه " يتخذ القانون الانتخابي في شكل قانون أساسي " وهو ما يعني أن ضبط صيغ إجراء الإستفتاء والاعلان عن نتائجه هو من الاختصاص المطلق والوحيد لمجلس النواب الذي يتخذه في شكل قانون أساسي وأنه لا شان لأية سلطة أخرى بهذا الموضوع وتحديدا فإن الاوامر الترتيبية العامة التي يصدرها رئيس الجمهورية لا وجه لها ولا اختصاص للخوض في هذه المسألة.
إلا انه على الرغم من صراحة النص الدستوري ووضوحه فإن رئيس الجمهورية قد حل محل مجلس النواب وتولى مكان هذا الأخير ضبط صيغ إجراء إستفتاء يوم 26 ماي 2002 والاعلان عن نتائجه وذلك بإصداره للامر عـدد 629 الذي بموجبه سيقع إجراء هذا الإستفتاء .وهو وضع لا يختلف اثنان في مخالفته للدستور وهو ما يجعل الامر عـدد 629 في حكم الباطل من الناحية الدستورية.
وان بطلان الامر عـدد 629 الذي بموجبه وقعت دعوة الناخبين للإستفتاء لا تتأتى فقط من مخالفته للدستور بل انها تتأتى أيضا من خرقه للفصل 135 من المجلة الانتخابية الذي حدد بدقة مناط وموضوع مثل هذه الاوامر قولا بما نصبه: "تقع دعوة الناخبيبن للإستفتاء تطبيقا لأحكام الفصل 2 و 47 و 76 من الدستور. ويضبط تاريخ الإستفتاء بالأمر المتعلق بدعوة الناخبين ويتعين ان يلحق بهذا الامر النص أو الموضوع المعروض للإستفتاء" فبموجب الفصل 135 من القانون الانتخابي فان الأمر الترتيبي الذي يصدره رئيس الجمهورية والداعي للإستفتاء تنحصر مهمته في تلكم الدعوة وفي ضبط التاريخ وفي نشر النص والموضوع المعروض على الإستفتاء فقط . مثله في ذلك مثل الاوامر الأخرى المتعلقة بالدعوة الى الإنتخابات التشريعية أو الرئاسية أو البلدية التي لا يجوز لها الدخول في ضبط مدة الحملة الإنتخابية أو في طريقة مشاركة الأحزاب أو اجراءات تمتعها بالحصص التلفزية أو كيفية سير الاقتراع أو فرز الأصوات مثلما انتهجه الأمر عـدد 629 المتعلق بإستفتاء 26 ماي 2002 ضرورة أن مثل هذه المسائل ونظرا لأهميتها وتأثيرها على العملية الانتخابية برمتها قد اسندها الدستور الى مجلس النواب بالذكر وحجبها عن السلطة الترتيبية العامة لرئيس الجمهورية. وإعمالا لذلك احتوت المجلة الانتخابية على تفاصيل ضافية في خصوص سير العملية الانتخابية واقتصرت الأوامر الصادرة بمناسبة الانتخابات المختلفة على الدعوى وتحديد التاريخ والتوقيت أي على المسائل العملية لاغير .
والواقع انه بالرجوع الى المجلة الانتخابية نلاحظ أن العنوان الخامس الخاص بالإستفتاء لا يحتوي في فصوله الخمسة على مثل ما احتوته العناوين الاخرى من تفاصيل تتعلق بضبط سير واجراءات وصيغ الانتخابات . اذ بقيت الاحكام المتعلقة بالإستفتاء تشكو من نقص شديد لا يمكن معه عمليا تصور اجراء أي إستفتاء دون تجاوز هذا النقص بإضافة فصول جديدة للعنوان الخامس للمجلة الانتخابية.
لكن يظهر ان السلطة القائمة كانت في هذا المجال حبيسة اختياراتها اذ انها ولفرط حرصها على تنفيذ ما انتوته من تعجل ومباغتة في إجراء الإستفتاء تراءى لها القفز على أحكام الدستور وعلى أحكام القانون الانتخابي وأصدرت الامر عـدد 629 الذي سيؤرخ له على كونه كان غير دستوري وباطل وأن الإستفتاء المنظم على أساسه هو إستفتاء باطل وفاقد للمشروعية القانونية الصرفة فضلا عن افتقاده للشرعية السياسية ومن ثمة فإن كل ما سيترتب عنه يكون باطلا بالضرورة وفاقدا للشرعية.

الأســـتــاذ عــبـد الـوهــــاب مـعــطــــر
أستاذ جامعي -  مـحـام بـصـفـاقـس
الأربـعـاء 8 مـاي 2002.

الهــوامــش:

1 - "إصلاح دستوري جوهري" أم خديعة سياسية أخرى - "الإصلاح الدستوري الجوهري" قراءة قانونية.
2 - وهو ما ذهب إليه العديد من أساتذة القانون الدستوري الآخرين ومن بينهم الأستاذ عياض بن عاشور: محاضرة على منبر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وكذلك العديد من الأحزاب والمنظمات الوطنية.
3- وذلك بإلغاء بتحديد عدد الدورات والترفيع في السن الأقصى إلى 75 سنة.
4 - اعتبر الاستاذ عياض بن عاشور في محاضرته على منير الرابطة أن أخطر ما في "الإصلاح الدستوري الجوهري" هو الإخلال بالأمانة بوصفها أساس شرعية الحاكم.
5 - بإضافة فقرة جديدة للفصل 41 من الستور تنص على الحصانة القضائية لرئيس الجمهورية سواءا عند ممارسته لوظائفه أو عند مغادرته لمنصبه.
6 - وفي هذا الاطار تندرج سلسلة التنقيحات الدستورية المجراة لصالح رئيس الجمهورية والموسعة لصلاحياته بخصوص المراسيم (الفصل 31) والمعاهدات الدولية (الفصل 32) وتعيين المستشارين (الفصل 19) وتعيين أعضاء المجلس الدستوري (الفصل 75).
7 - وذلك بالحد من صلاحيات المجلس في النظر في بعض القوانين (الفصل 28) وفي المراسيم (الفصل 31) والمعاهدات (الفصل 32) وإحداث مجلس تشريعي موازي هو مجلس المستشارين المعين في جانب كبير منه من طرف الرئيس.
8 - وذلك عبر جعل شروط التزكية في المرتبة الدستورية (الفصل 39).
9 - وذلك بمفعول إلغاء الحد من الدورات (الفصل 39).
10 - حجز مجلة الطريق الجديد وجريدة الموقف وامتناع الصحف الأخرى من نشر الآراء المخالفة للسلطة.
11 - هذه هي محاور مذكرة شرح الاسباب المحالة على مجلس النواب صحبة مشروع التعديل وقد خلت هذه المذكرة من أي ذكر للحصانة القضائية ولإلغاء عدد الدورات ولشروط الترشح ولإسناد صلاحيات جديدة للرئيس وكانه كان المطلوب إخفاء مثل هذه المسائل حتى على النواب.
 12 - وهو ما ذهب اليه أيضا الاستاذ عياض بن عاشور في محاضرته يوم 03 ماي 2002 بمقر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.


 
عملية الإستفتاء باطلة و مخالفة للدستور

الأستاذ عياض بن عاشور يعلن
بطلان الاستفتاء على تعديل الدستور

أعلن الأستاذ عياض بن عاشور الحقوقي المعروف و أستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية و العضو المستقيل من مجلس النواب عن بطلان الاستفتاء الذي يجري الإعداد له ليوم الأحد 26 ماي 2002 بمناسبة المحاضرة التي تناول فيها مشروع التحويرات الدستورية الأخيرة و التي احتضنها مقر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان يوم الجمعة 3 ماي 2002 و حضرها أغلب قادة المعارضة و مكونات المجتمع المدني.

و تناول الأستاذ عياض بن عاشور في مستهل محاضرته " الأمر الرئاسي عدد 629 المؤرخ في 13 أفريل 2002 و المتعلق بدعوة الناخبين للاستفتاء في مشروع القانون الدستوري المتعلق بتنقيح بعض أحكام من الدستور"مبينا مخالفته لأحكام الدستور الذي اقتضى أن النصوص المتعلقة بالأساليب العامة لتطبيق الدستور يجب أن تتخذ شكل القوانين و أن تنظيم عملية الاستفتاء المستحدثة في تونس لم يسبق تنظيمها قانونيا مما كان يستدعي البدء بتعديل المجلة الانتخابية استجابة لما اقتضاه الفصل47 من الدستور بموجب التعديل الداخل عليها بمقتضى التحوير الدستوري السابق" قانون دستوري عدد 65 لسنة 1997 المؤرخ في 27 أكتوبر 1997 و الذي جاء فيه : "يضبط القانون الانتخابي صيغ إجراء الاستفتاء و الإعلان عن نتائجه" ملاحظا أن تعجل السلطة في عرض مشروع التعديل على الاستفتاء قد أوقعها في خطأ قانوني فادح جعل من عملية الإستفتاء ذاتها باطلة و مخالفة للدستور الذي يتعرض هكذا إلى نكبة أخرى قضت على ما تبقى له من مصداقية و احترام.

وأضاف الأستاذ بن عاشور أن تفطن السلطة المتأخر لهذه الوضعية عوض أن يثنيها عن المأزق الذي وقعت فيه بتأجيل الاستفتاء إلى أن يقع تعديل القانون الانتخابي و إدخال الأحكام اللازمة لتنظيم صيغ إجرائه و الإعلان عن نتائجه ضمن أحكام المجلة الإنتخابية وفق ما يتطلبه تشريع القوانين الأساسية زادت من تعميقه في استخفاف واضح بأصول التشريع وذلك بإقحام الأحكام المتعلقة بتنظيم الاستفتاء صلب الأمر الرئاسي المتعلق بدعوة الناخبين للاستفتاء في عملية تجاوز خطيرة للسلطة الترتيبية التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية على حساب مخصصات السلطة التشريعية لا تسمح بها أحكام الدستور حتى بعد إقرار التعديل و قد جاءت هذه الأحكام صلب الفصول 2 وما بعده من الأمر المذكور و الذي تعمد إهمال التعرض لدور الأحزاب المعارضة للاستفتاء في الحملة و حقوقها في مختلف وسائل التعبير عن رأيها فيه بما يجعله متناقضا مع أصول التشريع و متعارضا مع أحكام الدستور و لا يمكن أن يوفر الشرعية اللازمة لأي استفتاء يجرى بمقتضاه.

كما حضر المحاضرة عدد من الحقوقيين البارزين من الأساتذة الجامعيين من بينهم الأستاذ محمد محفوظ و هشام موسى و عبد الوهاب معطر و سناء بن عاشور و الأستاذ سليم اللغماني الذي فاجأ الرأي العام في المدة الأخيرة بإعلان مساندته للتعديل المقترح و الذي تناول الكلمة ليعلن تراجعه عن موقف المساندة و أنه سيصوت ضد مشروع التعديل بعد أن تبين أنه لا يهدف للتجديد للرئيس الحالي قصد تمكينه من إعداد البلاد للتحول الديموقراطي و إتاحة أحسن الظروف للتداول على السلطة.


GREAMG - TUNISNEWS717 - Jeudi 5 mai 2002.

أبعاد الأزمة الدستورية في تونس
مقاربة أولية على ضوء الاستفتاء

زكى مجلس النواب يوم 2 أفريل 2002 "مشروع قانون دستوري يتعلق بتعديل بعض أحكام الدستور" و قد شمل المشروع 38 فصلا بإلغاء 21 فصلا و تعديل 17 فصلا 7 منها بالنقصان و 10 بالزيادة و توزعت التعديلات على الأربعة أبواب المتعلقة بالأحكام العامة و السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية و المجلس الدستوري والتي تستأثر لوحدها بسبعة وستون فصلا من جملة فصول الدستور الثمانية والسبعون أي ما يقابل 87 بالمائة منه.
و يعتبر هذا التحوير الرابع عشر منذ إصدار الدستور في 1 جوان 1959 والتاسع منذ 7 نوفمبر 1987 بما يجعل الدستور أكثر نصوصنا التشريعية تبدلا وتعرضا للتغيير.
و تضمنت المذكرة التوضيحية المتعلقة بشرح أسباب التعديل الدستوري التأكيد على: "رد الاعتبار لسيادة الشعب و للنظام الجمهوري و إعلان قيام دولة القانون و المؤسسات و إرساء حقوق الإنسان في النص و الممارسة." و توزعت حول أربعة أبواب تمحورت حول:

• تعزيز حقوق الإنسان و تفعيل ضماناتها و مزيد تجذير الولاء لتونس.
• توسيع مجال التمثيل بإحداث غرفة ثانية.
• تطوير نظام الانتخابات الرئاسية.
• توسيع اختصاص المجلس الدستوري و تدعيم حياد أعضائه و استقلاليتهم.

و يخرج المتأمل في المشروع بانطباع أولي بالسخافة و خيبة الأمل فهو نص خشبي موغل في التناقض مع حقيقة المضامين التي يدعي أنه يكرسها بما يدفع أي حقوقي يحترم نزاهته العلمية إلى الترفع حتى عن مجرد الجدل الجدي في شأنه.
لذلك فإننا سنقف من خلال هذه المقاربة على توضيح تناقض الأهداف المعلنة للمشرع مع المرامي الحقيقية التي يشرع لها سواء من حيث انتهاكه لسيادة الشعب و تقويضه لأسس النظام الجمهوري وإعلانه لنهاية دولة القانون و المؤسسات أو ما بقي منها و تعميق انتهاك حقوق الإنسان في النص و الممارسة.
و لا تقل درجة تناقض النص مع مضامينه عن تناقض عناوين أبوابه مع المحتوى الحقيقي للنصوص المتعلقة بها وهو ما يفسر الحيرة الحقيقية التي انتابت جميع الحقوقيين بعد اطلاعهم عليه بما يشكله من معضلة إبستيمولوجية في تحديد معجم خاص لخطاب السلطة يقوم على قراءة تعتمد نقيض المعاني المتداولة للعبارات المستعملة مما جعل أكثر من طرف يندد بعقلية الإست بلاه التي ارتدت إليها السلطة في تعاملها مع المجتمع.
وهذه العقلية القائمة على الوصاية و الاحتقار و التي درج الخطاب الرسمي ووسائل الإعلام على التعامل بها مع الفئات الشعبية هي نقسها التي ينضح بها هذا النص الموجه لمجلس النواب المحاصر أمنيا منذ بلوغه إليه و الأحزاب الممنوعة عن مجرد التعبير عن رأي نقدي بواسطة صحفها وهيئاتها القانونية فضلا عن مختلف الحقوقيين و المثقفين و مختلف الملاحظين الرسميين و الإعلاميين الأجانب بما يؤكد وقوع السلطة في حد ذاتها ضحية منطق الخديعة والتمويه "the full following theory" إلى درجة تبعث على السخرية و الازدراء.
إن محاولة استجلاء حقيقة هذه المضامين بحاجة للتوضيح من خلال عرض الخلفية الأزمة الدستورية التي دفعت إلى هذا التعديل (1) و حقيقة المطالب التي استقطبت المجتمع المدني في المدة السابقة(2).

خلفية الأزمة الدستورية

رغم وجود ستة أحزاب معارضة قانونية - بمعنى معترف بها من طرف السلطة- بقي الحزب الحاكم مهيمنا على الحياة السياسية بالبلاد التونسية بشكل مطلق منذ الاستقلال حائلا دون تمكينها من النشاط الطبيعي و العمل المستقل في إطار الأهداف و المبادئ المؤسسة لها مما حال دون تواجدها الفعلي بمجلس النواب ومختلف الهيئات التمثيلية المحلية و الجهوية و الوطنية مما كرس منطق الاحتكار والحزب الواحد ووظف إفشالها للتدليل على عدم جدواها ومنع تواجد غيرها و تدعيم منطق التسلط و الاستبداد.
وقد نتج هذا الوضع عن اعتماد سياسة تصادر مختلف الحريات العامة من حق في التنظيم و الاجتماع و التظاهر ومن حرية إبداء الرأي و حرية صحافة و إعلام مما شل حركتها و منعها من التواصل داخل مجتمعها.
و يعزز هذه المعيقات مجموعة ضخمة من القيود على الحريات الخاصة و التي تطال أساسا مختلف منخرطيها وكل من يجرئ على الانخراط فيها أو مجرد الاهتمام بالشأن العام خارج أطر النظام إلى حد بلغ تجريم العمل السياسي و الجمعياتي المستقل و تحويله بحكم القانون إلى جرائم حق عام مهينة من قبيل الانخراط في عصابة مفسدين بالنسبة للتنظيم و ترويج أخبار زائفة بالنسبة لحق التعبير و إحداث الهرج و التشويش و الإخلال بالأمن العام بالنسبة للتظاهر يسهر على تصريفها قضاء أعمى متواطئ كتمت أنفاس الحياة فيه منذ أمد بعيد.
و تعزز هذه القيود ممارسات مروعة عن طريق الملاحقة المتواصلة و المداهمات و الإعتقالات التعسفية و ممارسة التعذيب و المراقبة الإدارية وتحديد الإقامة و المنع من السفر و مراقبة جميع الاتصالات إلى حد السطو على المراسلات و قطع خطوط الهاتف و تعطيل شبكة الإنترنت.
كما تتعرض الحقوق الفردية الأخرى إلى ممارسات مشينة تصل إلى حد الإقصاء عن العمل و المنع من الوظائف والخدمات العامة و الاعتداء على الأملاك الخاصة و تتخذ أحيانا قالب العقوبات الجماعية تطال علاقات الرحم و المتعاطفين لقطع أواصر التآزر و تركيع كل المخالفين تحت وطأة المعاناة اليومية المهينة و الفقر المادي و القهر المعنوي.
و تزخر مختلف تقارير منضمات الدفاع عن حقوق الإنسان و الحريات العامة في الداخل و الخارج بمختلف العينات الموثقة لهذه الحالات كما تبرز التقارير الصادرة عن هياكل الأمم المتحدة و المجموعة الأوروبية والخارجية الأمريكية القمع المأساوي الذي يتعرض له الشعب التونسي في مصنفات قلما فاقه في حجمها غيره من الشعوب.
وحكمت هذه الأوضاع على مختلف الأحزاب والجمعيات و النقابات المستقلة التي أتيحت لها فرصة التواجد القانوني لأسباب تاريخية أو ظرفية سابقة بالبقاء في حالة من الكمون و التهميش القسري حفاظا على ذات وجودها مما أضر بمصداقيتها و أفقدت المواطنين الثقة في فعاليتها مما زاد في تعميق عزلتها و سهل من اختراقها لتصفية مختلف الرموز التي حاولت الصمود داخل أطرها كما حصل لحركة الديموقراطيين الاشتراكيين و الاتحاد العام التونسي للشغل و جمعية القضاة الشبان و الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان و الاتحاد العام التونسي للطلبة و بدرجة أقل مختلف التنظيمات الأخرى دون استثناء.
إن ما طال هذه الشريحة من تنظيمات المجتمع المدني لا يقارن من قريب أو بعيد مع سياسة الاضطهاد المنضم و الإقصاء الذي تواجهه كل مكونات المجتمع المدني المحرومة من الاعتراف الرسمي بتواجدها سواء كانت سياسية أو حقوقية أو مجرد جمعيات تنشط أو تحاول النشاط المستقل في مجالات العمل الاجتماعي و الثقافي.
فقد تعرضت حركة النهضة ومختلف الخلايا التنظيمية التي نشأت في سياقها إلى عملية إبادة منضمة لم يشهد لها تاريخ البلاد التونسية مثيلا حتى في أحلك فترات الاستعمار بتوظيف حادثة اعتداء مريبة على مقر أحد خلايا الحزب الحاكم لوصمها بالإرهاب و تأليب البلاد ضدها لتمرير حملة قمع طالت مئات الآلاف من المواطنين منذ أكثر من عشر سنين ذاق عشرات الآلاف منهم السجون و التغريب و لازال المئات رهن المعتقلات والسجون و خلفت لنا سجلا حالكا من الوفيات المشبوهة خلال فترات البحث أو قضاء العقوبات.
كما يتعرض حزب العمال الشيوعي التونسي إلى أطول عملية اضطهاد منذ أكثر من ثلاثين عاما لا تزال تطال أهم رموزه و قيادته بالمطاردات و المحاكمات حيث تحول رئيسه المعتقل السيد حمة الهمامي إلى رمز للنضال من أجل حرية العمل السياسي في العالم اليوم.
وبنفس سياسة المحاصرة و الإقصاء يجابه حزب التكتل من أجل العمل و الحريات و حزب المؤتمر من أجل الجمهورية و المجلس الوطني للحريات و مركز تونس لاستقلال القضاء و المحاماة و التجمع من أجل بديل عالمي للتنمية إلى شتى أنواع المضايقة و الملاحقة و التنكيل و لا يدينون بحريتهم إلا إلى ضغط التعاطف الوطني و الدولي.
إن هذه السياسة القمعية المنضمة التي تفرض على بلادنا حالة حصار غير معلنة منذ 12 سنة ما كان لها أن تبلغ هذه القسوة والعنجهية الظالمة التي عجزت في جموحها حتى عن مجرد الانسجام في أطر الشرعية الزائفة للقوانين التعسفية المقيدة والمصادرة للحريات التي سنتها السلطة بنفسها لنفسها في خرق للدستور و أبسط مبادئ العدالة لتتحول إلى خرق فاضح أعمى لا يتقيد بأدنى المقومات الشكلية للشرعية و القانون لو كانت السلطة في يد حزب سياسي كما هو متعارف عليه بين الأحزاب في العالم أجمع.
ذلك أن الجهاز الذي يطلق عليه اليوم "التجمع الدستوري الديموقراطي" و الذي تمارس السلطة باسمه قد التبس بأجهزة الدولة و التصق بها مكرسا لعقلية تعتمد الوصاية الواشية على خلفية انتهازية منحطة تعتمد ابتزاز المناصب و الامتيازات عن طريق المتاجرة بالولاء و المزايدة في الوطنية و التبعية العمياء في نسق متقدم تحكمه الرداءة وانتقاء الأغبياء "système de sélection des médiocres"  بما يخلق مناخا خانقا من التوجس و الريبة لا يمكن أن يجد فيه متنفسا إلا أصحاب الأطماع و النوايا الخبيثة الذين انحطت السياسة في قيمهم إلى حضيض المناورة و المؤامرات لعزل وإحباط كل أصحاب العزائم الصادقة و القيم النبيلة و المبادئ الراسخة حتى حكم على واقعنا بالرداءة في مدنيّة متأصلة تعبث بها حفنة من اللصوص المتكالبة التي لا تعرف حدا لإشباع نهمها من السطوة و النهب وقادرة على التشكل في أية لحظة في هيئة مليشيات مروعة لشعبنا حكمت عليه بالإنتضارية و الانقهار.
هذا الجهاز المريض هو الداء الجاثم على قدرنا جميعا اليوم و هو الذي أفرغ مختلف مؤسساتنا و أفقدها نبض الحياة و لغة العصر وهو الذي يقوض اليوم آخر مقومات مواطنتنا و أسس جمهوريتنا.

محاور إجماع المجتمع المدني

تتمحور المطالب الرئيسية التي تلقى إجماعا وطنيا عاما حول مقاومة استبداد السلطة الحاكمة و وضع حد لانتهاكها لقيم المواطنة و الحقوق الدستورية المشروعة لكل التونسيين و تسخيرها للقانون لتصفية المؤسسات وتجريم المخالفين و القضاء على مختلف أشكال التصدي و المعارضة وذلك عن طريق الدعوة إلى:

• العفو التشريعي العام و إطلاق الحريات العامة.
• حرية الصحافة و الإعلام.
• استقلال القضاء.
• حياد الإدارة و فصل الحزب عن الدولة.
• إقرار الآليات الكفيلة بضمان التداول الديموقراطي على السلطة.

سوف لن ندخل في مضامين هذه الأهداف و ترابطها و تفاضلها لأنها موضوع مشاغل مجتمعنا بأسره وحلمه الراسخ منذ قرن و نصف وهي تراث إبداعات عظماء تونس وعباقرتها من رجال دولة وآداب وفنون و شهداء و مناضلون.
إننا نرمي إلى قراءة مشروع تعديل الدستور من خلال المشاغل الوطنية الحقيقية لإبراز منطق المؤامرة و الغضب الذي ينبض من جميع فصوله و مراميه الحقيقية.
إن النظام الاستبدادي الوصائي الحاقد الذي آلت إليه حركة نوفمبر 1987 و الذي جعله يتناقض مع كل أهدافه المعلنة في بيان 7 نوفمبر قد حكم عليه بالتراجع عن آخر وعوده المتمثلة في إسقاط مبدأ الرئاسة مدى الحياة و القبول ضمنا بمبدأ التداول على السلطة و الإقرار بمبدأ سيادة الشعب المؤسسة لنظامنا الجمهوري. و كان التحوير الذي ادخل على الفصل 39 من الدستور مباشرة بعد عزل الرئيس السابق الحبيب بورقيبة و الذي حدد المدة القصوى لتولي رئاسة الجمهورية بثلاث دورات التحدي الأخير في اختبار صدق نوايا السلطة و احترامها للشرعية.
إلا أن الحملة التي أطلقها الحزب الحاكم منذ بداية الصائفة الماضية للمناداة بتحديد انتخاب الرئيس زين العابدين بن علي سنة 2004 للمرة الرابعة قد بددت جميع الشكوك حول الأهداف الحقيقية للنظام وهو يبشر بجمهورية الغد و يروج للبرنامج المستقبلي للرئيس بن علي. و لم يعد أحد يشك في عجزه عن القبول بالمنافسة الشريفة على السلطة منذ تحوير الفصل 76 من الدستور في 27 - 10 - 1997 و تمكينه من إدخال الاستفتاء.
إلا إن ما جاء به مشروع التحوير المعروض حاليا على مجلس النواب و لاحقا على الاستفتاء العام لم يكتفي بمجرد تحوير تقني يمكنه من البقاء في رئاسة الجمهورية لدورة رابعة و إنما جاء مفوضا لأسس النظام الجمهوري عن طريق إرساء حكم فردي مطلق غير مقيد بالقانون يخون أي اختلاف في الرأي و تمسك بالشرعية عن طريق إفراغ مختلف مؤسسات الدولة من جوهر وظائفها و توظيفها لفائدة رئيس الجمهورية و خدمة لتوفير ولاء زائف لسلطته المطلقة بما يجعله استخفاف بطموحات الشعب التونسي و استبلاه له يشكل اعتداءا على كرامته و انقلاب على الشرعية المؤسسة للقانون بشكل عام و تحويله لمجرد حجة للحاكم على المحكوم يطوح بنا بعيدا.. بعيدا.. بعيدا في عصور مظلمة اعتقدنا أن عهدها قد ولى و انقضى.

تفويض أسس النظام الجمهوري

يؤسس الدستور التونسي الصادر في 1 - 6 - 1959 لنظام جمهوري قائم على ديمقراطية أساسها سيادة الشعب و قوامها نظام سياسي مستقر يرتكز على قاعدة تفريق السلط.
إن إسقاط مشروع التحوير الدستوري في الظروف السياسية و الاجتماعية التي سبق أن تعرضنا إليها و دون أدنى استشارة وطنية حول مضامينه من طرف السلطة و مهما كان محتواه لا يمكن أن يشكل إلا انتهاكا لسيادة الشعب و تكريسا لمبدأ الوصاية الفوقية المحتقرة لأدنى مقومات المواطنة.
ذلك أن غياب الديمقراطية من واقعنا لا يمكن أن يحول دون الاعتراف بحق الجميع في المداولة و الوعي بمختلف التعديلات المدخلة على نظامنا السياسي على ضوء المعطيات الحقيقية التي تدفع إليها. إن مصادرة هذا الحق الدستوري الأولى من طرف سلطة تواجه انتقادات عنيفة من اجل ممارسات و خروق موضوع إجماع وطني و دولي وأكدتها مختلف الهيئات الدولية العالمية النزيهة و المحايدة لا يمكن أن يشكل سوى انقلاب على الشرعية و خرق سافر للدستور وقيم الجمهورية.
كما أن توطئة الدستور المعبرة عن المنطلقات الحقيقية والفلسفة التي قام عليها النظام السياسي لا يمكن تجاوزها لتكريس ممارسات خاطئة تقوض أسس الجمهورية ذاتها. ذلك أن هيمنة السلطة التنفيذية على غيرها منذ الاستقلال مهما كانت دواعي لا يعدو كونه انتهاكا لمبدأ فصل السلط المؤسس لنظامنا بما يجعل منها خرقا للدستور في حد ذاتها يفرض منطق الإصلاح الرجوع عنها لا الإيغال في تعميقها . وعوض أن يأتي التحوير بتعزيز مبدأ فصل السلط عن طريق إقامة علاقة متوازنة بين مختلف سلط الدولة انسجاما مع مبدأ الحكم الحكيم"La bonne gouvernance " بما يتيح لكل منها استقلالها و وسائل الدفاع عن اختصاصاتها جاء التحوير مكرسا للشمولية و زاد من إفراغها من جوهر وظائفها لحساب رئاسة الجمهورية بما يبرز تجافيه مع منطق فكر المؤسسات بنضرة عقيمة بالية تقوم على شخصنه السلطة و تعلق مصير الشعوب على نزوات الأشخاص و لا يمكن أن تؤسس لأي تقدم أو عدالة أو مواطنة.
ويبرز هذا الاحتكار في اغتصاب بعض اختصاصات السلطة التشريعية و تقييد ما بقي لها منها إلى درجة جعلت منها سابقة فريدة في العالم المعاصر. فقد جاء في الفصل 28 جديد من المشروع : "لا تكون مشاريع القوانين المقدمة من طرف أعضاء مجلس النواب مقبولة إذا كان إقرارها يؤدي إلى تخفيض الموارد العامة أو إلى إضافة أعباء أو مصاريف جديدة. وتنطبق هذه الأحكام على التعديلات المدخلة على مشاريع القوانين."
و تشكل هذه الاستثناءات إفراغا فعليا للعمل التشريعي من محتواه وقلبا للأدوار بين مؤسسات الدولة يجعل من السلطة التنفيذية "رئيس الدولة" المتصرف الوحيد في تقرير موارد الدولة و مصاريفها إضافة إلى سلطة الصرف التي تمنحه له صفته التنفيذية دون مراجعة من أحد بتقرير مبدأ عدم المسائلة وهو يعود بنا إلى نموذج من التصرف البدائي لم يعد مقبولا حتى في أبسط المؤسسات الخاصة فضلا عن بناء مستقبل لدولة تطمح إلى التطور و الرقي فالمشروع يكرسه كمتصرف وحيد في موارد الدولة دون إمكانية الاعتراض على مشيئته أو تعديلها أو اقتراح غيرها من طرف السلطة التشريعية واختزل دور البرلمان في تزكية مشاريع رئيس الدولة أو المزايدة عليها كما نبه لذلك أحمد التليلي منذ سنة 1965 ولكن بحكم الدستور هذه المرة.إن غرابة هذا المنحى تكمن في مصادرة أول القيم المبدئية المؤسسة للعمل البرلماني في تاريخ الإنسانية و التي تجعل منه باعتباره ممثل الشعب المتصرف نيابة عنه في موارده و المراقب لالتزام السلطة التنفيذية بمقرراته و إلا فما جدوى الميزانية و إهدار الطاقات في الحسابات التي تحددها في النهاية إرادة واحدة لا رقيب عليها و لا حسيب. وهو ما يحدث لخبطة ي مفهوم التشريع ذاته و يحوله إلى مجرد تكريس لإرادة عليا تعلن أننا ندق أبواب عصر الطاعة و الخضوع .
و جاء الفصل 32 جديد من المشروع بتكريس هذا الارتداد بمنح رئيس الجمهورية صلاحية المصادقة على المعاهدات بحيث ألغى تماما نضر السلطة التشريعية على قسم هام من صميم اختصاصاتها و أصبح رئيس الجمهورية يبرم ويصادق ويقرر الإعلان أو عدم الإعلان عن المعاهدات التي تهم الدولة بكاملها . وهي ظاهرة لئن بدت في سياق بعض التقنيات الدستورية في الدول الديموقراطية المتطورة وسيلة نجاعة قد تشكل خطورة قصوى و كارثة في نظام لا يعرف أي تحديد للسلطة.
كما أن إحداث غرفة ثانية أطلق عليها مجلس المستشارين على ضوء ما ترسب من تاريخ مجلس النواب وعجزه عن ممارسة اختصاصاته بكل استقلالية يزيد في تعميق أزمة السلطة التشريعية في بلادنا ويكرس عجزها خاصة وأن المجلس الجديد يعتمد لأول مرة طريقة التعيين في اختيار أعضائه وهو ما يناقض مبدأ سيادة الشعب و اختصاصه المطلق في انتخاب ممثليه و هو ما من شأنه أن يعمق ظاهرة الولاء و المحسوبية و التملق في التنافس على المناصب و يكرس الصبغة الشكلية للسلطة التشريعية و إفراغها نهائيا من صميم محتواها.
كما تألق هذا المشروع بإهماله التعرض للسلطة القضائية و تكريس الواقع الرائن على أوضاعها رغم اتساع و إلحاح الحركة المطالبة بإصلاحها و تمكينها من مقوماتها كسلطة مستقلة تتوفر على الضمانات الضرورية للقائمين بها بما يؤكد الإصرار على النهج القائم على توظيفها لتجريم العمل السياسي و تصفية المعارضين للسلطة القائمة وجعلها السند المشرّع للاستبداد و الانفراد بالسلطة و رفض مبدأ التداول.
و خلافا لما جاءت به مذكرة شرح الأسباب بخصوص المجلس الدستوري فان الاختصاصات التي يمنحها له مشروع التحوير لا تتعدى البحث عن إعطاء شرعية لهيئة شكلية معينة في جميع أعضائها من طرف واحد هو رئيس الجمهورية بطريقة لا تكفل لهم أي استقلالية أو ضمان استقرار في وظائفهم بما يكرس تبعيتهم للسلطة المتحكمة في مصيرهم على أساس الولاء و على حساب الأمانة للشرعية و للقيم الدستورية المؤسسة لنظامنا الدستوري و تعد إجازتهم لهذا المشروع برهانا ساطعا على منطق التواطئ الذي ميز مسيرته منذ إحداثه و عينة عن الدور المنتظر منه.
إن تخصيص هذا المجلس بالنظر في المطابقة الدستورية لمشاريع القوانين قبل عرضها و جعل رأيه ملزما لجميع السلطات يشكل مصادرة مسبقة لحق السلطة التشريعية في النضر في مطابقة المشاريع المعروضة عليها للدستور و مصادرة لحق السلطة القضائية في النضر في مصادقة القوانين التي تتولى تنفيذها للدستور.
إن مختلف هذه الملاحظات تبرز بجلاء تناقض مشروع التحوير الدستوري مع المبادئ المؤسسة للنظام الجمهوري سواء من حيث انتهاكها لمبدأ سيادة الشعب إن إلغائها لمبدأ فصل السلط أو وضعها للسلطة المتحكمة في كل الاختصاصات خارج نطاق المسائلة و المسئولية بما يجعل منه تفويضا للجمهورية في حد ذاتها و إرساء للحكم الفردي المطلق المقيت.

تكريس الحكم المطلق
و انتهاك دولة القانون و المؤسسات

تقوم دولة القانون و المؤسسات على أساس ممارسة السلطة في إطار المسئولية حيث يتنزل المبدأ القائل بأن السلطة توقف السلطة في تحديد اختصاصات مختلف السلط و ترابطها بما يجعل منها رقيبة على الشرعية ضد استبداد أي منها و خروجها عن إطارها. و تعتبر السلطة التنفيذية محرك النظام السياسي و مقياس نجاعته و شرعيته لذلك فإنها مقيدة بنوعين من المسئولية:

• مسئولية سياسية أمام البرلمان تتيح له إيقاف تجاوزاتها أو إقصائها.
• مسئولية جزائية أمام السلطة القضائية تمنعها من غرور النفوذ للسطو على مكاسب المجتمع و ثرواته.

و يتنزل مشروع التعديل الدستوري المعروض على مجلس النواب من هذا المنطلق كحالة فريدة نادرة في الدساتير المعاصرة تضع رئيس الدولة خارج إطار أي مسئولية سياسة أو قضائية و تمنحه بحكم الدستور حصانة مطلقة لم يعرفها حكامنا منذ 1861 تاريخ سن أول دستور عرفته تونس
بحيث أن اعتراض مجلس النواب على المشاريع المعروضة من طرف رئيس الجمهورية عن طريق الحكومة عن طريق لائحة اللوم الموجهة للحكومة – التي يقتصر دورها على تطبيق السياسة التي يحددها رئيس الدولة - يعطي رئيس الجمهورية الحق في إقالة الحكومة و في صورة تكررها يتسلط العقاب على مجلس النواب نفسه الذي يتسبب في حل نفسه عوض أن يؤدي ذلك إلى استقالة رئيس الجمهورية كما يجري به العمل في كل الدساتير المعاصرة بحيث اصبح رئيس الجمهورية معفيا من أي مسئولية سياسية مهما كانت المعارضة لسياسته.
لكن الظاهرة الأكثر غرابة جاءت في الفقرة الثانية المضافة للفصل 41 من الدستور: "يتمتع رئيس الجمهورية أثناء ممارسة لمهامه بحصانة قضائية كما ينتفع بهذه الحصانة القضائية بعد انتهاء مباشرته لمهامه بالنسبة للأفعال التي قام بها بمناسبة أدائه لمهامه." بحيث تكرس هذه الفقرة لأول مرة في تاريخنا عن طريق نص دستوري مبدأ عدم المسائلة المطلقة و الخروج تماما عن القانون و هي حالة من الشذوذ و الخطورة بحيث لا تستحق مزيد التعليق سوى ما قاله الدكتور منصف المرزوقي: "كاد المريب أن يقول خذوني"
إن خروج مشروع التحوير "الجوهري" عن مبدأ دولة القانون و المؤسسات و إرسائه لركائز الحكم الفردي قد عبرت عليه المذكرة التوضيحية "بمزيد تجذير الولاء لتونس" مع اختزال معنى تونس في القيم التي يحملها النظام القائم عليها و الكاتم لأنفاسنا منذ نصف قرن من الحكم المطلق غير المفيد بأي قانون.
إن منطقا بهذا الإجحاف و الكليانية لا يمكن أن يندرج في إطار الحرية و الديمقراطية و لا يمكن له أن يؤسس للحقوق و الحريات لأنه نقيضها و يتموقع في أقصي الطرف المجابه لها. لذلك فهو عاجز عن الانسجام الذاتي دون تأسيس ركائز جديدة تدعم فوقيته و تسلطه و إجحافه وهو ما نجده في الفقرة الأولى المضافة للفصل 15 من الدستور: "كل مواطن واجب حماية البلاد و المحا فضة على استقلالها و سيادتها و سلامة تراب الوطن" و التي تضاف لما تضمنه الفصل المذكور من عبارات مختزلة بليغة "الدفاع عن حوزة الوطن واجب مقدس على كل مواطن" فماذا ترمي هذه الفقرة لإضافته و لمن صيغت و ما الهدف منها؟
إننا نرى في هذه الفقرة اخطر ما جاء به الدستور لتشريع التخوين ووضع منطق السلطة في معيار القانون لكبت كل صوت معارض حر و التشريع للمعاداة للوطن لكل من يعتقد في أن المبادئ الإنسانية كونية تستقطب اهتمام أحرار العالم بأسرها أينما كان موقع انتهاكها و هي محاولة للتجديف عكس التيار في عالم يسعى إلى تجريم ظاهرة الاستبداد على مستوى العالم بأسره و إقامة محكمة الجزاء الدولية لكل من ينتهكون حقوق شعوبهم و يعتدون على مكاسب دولهم و يضعون أنفسهم بفصل قوة الاضطهاد و التجبر فوق القانون و غريب علينا أن نعود إلى هذه الوصفات البالية التي لم تصمد معها إحدى اكبر القوى العظمى في العالم فضلا عن مختلف الدول الفاشية و النازية و الاستبدادية في تاريخ الإنسانية. .
إنما يبرز ذلك قوة الدوافع المؤسسة للانقلاب على الشرعية المؤسسة للقانون و ابتذال مفاهيم العدالة و المساواة في سن التشريعات في ضل الاستبداد بما حولها إلى مجرد حجة للحاكم على المحكوم لامضاء إرادته و قهر مقاومة معارضيه.

و كذاك تتخذ المظالم منطقا عذبا      لتخفي سوءة الآراب

إننا لم نرغب في تقديم دراسة علمية متخصصة حول تحوير الدستور اعتبارا لأن ما حصل لم يتعدى التلفيق لتكريس واقع آل إلى ما هو عليه الآن منذ زمن بعيد و استعملت نفس الأدوات التي أدت له لدعمه بمنطق التشريع فجاء بيانا فاضحا لإنخرام النظام في أجهزة شكلية خاوية لا تتعدى أن تكون صدى لخطاب معتل عاجزا حتى عن إقناع ذاته فكان إعلانا لخروجه من التاريخ و ارتداده في فكره و منهجه اكتفينا بإبراز أهم معالم مشروعه المهزوم.
فأين هي من أحلامنا حماة الحمى وهو يشرع لاستعبادنا إن برنامجه المستقبلي و جمهورية الغد التي يبشر بها هذا النص لن تحتاج إلى 5 سنوات كما طمع أو10 سنوات كما فضحه جشعه و استقر عليه لتحقيقها و ستضل أبدا جمهوريتنا لغد لن يحل أبدا ما دمنا لم نملي شروطها و عبثا سنضل نتوسل لعفو عام عن ذنب لم نقترفه و مدانون لمجرد أننا مختلفون و مقصيون لمجرد غير متملقين صاغرين.
نحن نقرأ منطق هذا الدستور في "طبائع الاستبداد" و منطق من شرعوه في عمى طموحاتهم الأنانية للاندحار إلى الجحيم في العمالة والتملق و التناقض مع أبسط القيم و المبادئ مرضاة للأمير على نهج "ماكيافيل" نحن نقرأ منطق أولئك المذعورين للاستفتاء على إمضاء صكوك استرقاقهم في نضراتهم الخائبة الذليلة و صمتهم المهين في سيكولوجية المقهورين وكتب المعذبين في الأرض لفرانس فانون أو طه حسين : صورة المستعمر ستنتهي بهم للرق أو الانتفاضة على هذا الواقع المهين كما يحصل في فلسطين.. كما حصل عندنا منذ سنين.
يقول الدكتور الصادق شعبان أن هذا التحوير يؤسس لنمط جديد من الديموقراطية أطلق عليه "Démocratie de proximité" وهي حقيقة ديموقراطية لصيقة التصاق عقلية الوصاية بمنطق حكامنا .فهي ديموقراطية المن على العجز و المعتوهين و اللقطاء و المتاجرة بمناطق الذل -الظل- ديموقراطية إحياء عقلية المسكنة واستغلال بؤس المسحوقين.
نحن لا نحتاج لدحض هذا المنطق الخبيث الماكر لنقع في منطق الصعاليك وعتاة المجرمين ممن تعتريهم لحظات كرم يروج لها من تستروا بسطوتهم ليخلقوا لهم هالة بين العامة يبررون بها خضوعهم الأعمى لمشيئتهم لتنفيذ أخس نزواتهم لأننا لا نتقن منطق العصابات.
إنما نتساءل عن منطق التعامل مع القوى الحية و الصاعدة المتشبعين بقيم و تطلعات الألفية الثالثة على أي قاعدة سيكون و ما هي الأرضية المتبقية للتعامل السلمي داخل المجتمع.
إن الإرادة التي فرضت هذا التحوير لم تترك مجالا للجدل حوله أو للشك في تمريره و لا تعني مصادقة مجلس النواب أو الاستفتاء شيئا حول تحققه لأنه لا يتعدى تكريس واقع قائم باستغلال نفس الأدوات التي أدت لقيامه فهو لا يضيف للشرعية شيئا باعتبارها شرعية قوة جامدة لا يخالطها أي منطق أو قانون.
ثم ما هي الحاجة لحسم مسألة التداول على السلطة قبل موعدها سنة2004 و الحال أن نفس الأدوات التي مكنت من نسبة إذعان تجاوزت 99 بالمائة لا زالت قائمة و لاشيء يهدد استتبابها في الأجل المنظور؟
ثم ماذا بقي من جدوى للعملية الانتخابية في حد ذاتها بعد هذا التحوير؟ و أي تداول يمكن أن نتحدث عنه اليوم فأي رئيس سيقع انتخابه سيجد نفسه بنفس السلطات و متحكم في كل السلطات دون أن يطاله القانون.
لذلك لا يمكن الحديث عن هذا التحوير خارج إطار الأزمة الدستورية.

خلفية الأزمة الدستورية

من التجني تحميل النظام الحالي مسئولية الأزمة الدستورية التي وصلت إليها بلادنا فقد كان طموح مجتمعنا للحداثة أقوى من تمسكه بقيم الديموقراطية و أسس النظام الجمهوري.
و قد تكررت هذه الحالة في تاريخنا المعاصر أكثر من مرة. فقد كان خير الدين مهندس دستور 1857 وهو أول دستور في التاريخ الحديث في محيطنا العربي الإفريقي و كانت قناعة ابن أبي الضياف بضرورة تقييد الحكم بالقانون لا تقل في وعيها وعمقها أقل مما نحن عليه الآن. ولكن دستور 1857 لم يعمر وسرعان ما إنقلب عليه البايات و أصبح خير الدين وزيرا أكبر دون أن يحرك ساكنا لإحيائه. بل أنه انغمس في بناء أسس مشروع الدولة الحديثة أكثر من اهتمامه بضبط قواعد نظام الحكم.
إن فشل خير الدين وعزلته و نهايته الحزينة لخير عبرة لمن يعتقد اليوم أنه بتحمله مسئولية تاريخية فوق مستوى غيره من البشر يندفع في تغليب عوامل الجدوى على متطلبات المنهج في العمل السياسي .
إن ارتقاء و نضج و تميز نخبنا لا يضاهيه في تاريخنا سوى سرعة اندحارها وسقوطها المدوي بانفصالها عن واقعها و عن شعبها و عن الظرف التاريخي الذي تعيشه.
لا أحد يشك في أن خير الدين كان بصدد بناء مشروع تونس الحديثة و لكن الاستعمار كان يعد مشروعه الخاص و يتحسس المنافذ التي سيدخلها منه فكانت معاهدة الحماية سنة 1881 ستار الاستعمار الذي سيفرضه عليها على مدى 75 سنة.
إننا اليوم في عصر لا تقل فيه عربدة و تطاول الدول العظمى عما كانت عليه في ذلك العهد و محيطنا العربي و الإسلامي و الإفريقي لا يقل ضعفا و تشتتا عما كان عليه في ذلك الوقت لذلك فإنه لا مناص أمامنا من خيار المراهنة و هو خيار لا يتعلق بمجرد التجديد للرئيس الحالي أم لا وإنما يتعدى ذلك وستمتد آثاره على مدى المستقبل و لعدة أجيال أخرى.
لذلك فإن دخول هذه المرحلة بتعميق الأزمة الدستورية الداخلية و ما ينجر عنها من تعميق القطيعة الداخلية بين القوى الفاعلة في المجتمع ربما كان الخيار الأسوأ الذي لن تحمد عواقبه. هذا في اعتقادنا ما يجب أن يسود نضرتنا للمستقبل.
كان الاستقرار السياسي عاملا أساسيا في بناء تونس اليوم و لقد كانت المؤسسة الاستبدادية التي أتاحت هذا الاستقرار سواء في عهد الحبيب بورقيبة أو في الفترة اللاحقة تستمد مشروعيتها التاريخية من منطق المرحلة إلى حد ما. فتونس اليوم رغم الأخطاء و بوادر الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية تبشر بكل عومل النهضة و الارتقاء نهائيا من دوامة العالم الثالث وهو تطلع مشروع لا يمكن أن يكون محل جدل على الأقل من حيث المقاييس الاقتصادية و الاجتماعية.
إلا أننا إذا رجعنا للمقاييس السياسية فإننا سنجد الصورة عكس ذلك تماما. فمؤسساتنا شكلية مقيدة ترتع فيها البيروقراطية دون حسيب أو رقيب و سلطتنا مهترئة الشرعية من جراء نصف قرن من الممارسة الأحادية المطلقة عاجزة عن إفراز خطاب يواجه منطق العصر تكاد تنفصل تماما عن القوى الصاعدة لا تتمكن حتى من استقطاب كل ما يلزم لتجديد ذاتها تحاول إخفاء جميع نواقصها خلف جهاز رهيب من التسلط و القمع يكرس كل صور الفساد في مستوى متصاعد خطير.
يقف على نقيضها نسيج مشتت من "الحزيبات" و الجمعيات تنخرها الاختلافات و تراكم الإحباطات من شدة القمع وما عانته من الويلات و هواجس الاختراقات . انقطعت أواصر الثقة فيما بينها و مع المؤسسات الرسمية للدولة فلم يبقى أمامها سوى اعتماد خطاب تشهير و فضح للممارسات يتناوبها القمع و السجون أو الانزواء و الركون بحيث يحكم عليها في كل الأحوال بالإقصاء عن التواصل داخل المجتمع و يحول دونها و التطلع لللإرتقاء إلى بدائل مشروعة عن الأوضاع القائمة.
هذا المأزق الذي تعرفه تونس اليوم و الذي جاء بتكريسه التحوير الدستوري بملائمة حقيقة أوضاع مختلف المؤسسات مع واقع الاستبداد يعد قبل كل شيء إعلان يأس عن إدراك الحل.
ذلك أن التحدي الحقيقي الذي نواجهه يتمحور أساسا حول وجهتين : الارتقاء بالدولة نحو الديموقراطية أو التراجع بها نحو الشمولية و الاستبداد؟
و يبدو أن الفكرة التي سادت لدى الأوساط المتحكمة قد تفاعلت سلبا بضيق صبر المعارضة و غياب القواسم المشتركة معها للمراهنة على تأجيل التعامل الديموقراطي مع عناصر الاختلاف لحساب تقوية النزعة التحكمية المسيطرة لمرحلة أخرى.
و لعل مما يزيد من نزعة الهروب إلى الأمام التي اعتمدتها السلطة إحساسها بتآكل شرعيتها على امتداد أكثر من 46 عاما في الحكم بما يجعلها عاجزة عن القبول بتحكيم المجتمع في انتخابات حقيقية محايدة و القبول بنتيجة اختياراته خاصة و أن الفترة السابقة كما بينا لم تتح إمكانية بروز نخب مهيأة لتولي السلطة مما يسد الباب أمام أي شرعية انتخابية في الأجل المنظور حسب المنطق السائد.
هذا الواقع تجمع عليه جميع الأحزاب و المنضمات و النقابات المناهضة للسلطة أو المتوافقة معها كما يدركه جانب هام داخل مختلف الإطارات الماسكة بالسلطة اليوم و يمثل الوجه الحقيقي للأزمة التي تعيشها بلادنا منذ سنين ولعل من بوادر الشفاء الوصول إلى معرفة أصل الداء.
ذلك أن فصل الحزب الحاكم عن الدولة مسألة أساسية لم تعد تحتمل الانتظار و لابد للدولة أن ترتقي في تعاملها مع مختلف المؤسسات السياسية على قدم المساواة بقصد تطويرها باعتبارها مكاسب أساسية تمثل مصلحة عامة لا بد منها للوصول إلى مجتمع ديموقراطي تعددي قائم على الحرية و الاختيار و الإقلاع عن زيف الوفاق ومنطق النظام و توظيف كل مقومات الدولة للبقاء في السلطة و اضطهاد كل مخالف و التعامل الأمني المهين مع المجتمع بكل ما يحمله من قمع و إرهاب و شراء للذمم وبذر للفساد و المحسوبية و التبعية الطامعة.
إن فصل الحزب عن الدولة سيساهم في تحقيق هدف ثاني لا يقل شأنا في تطوير أسس النظام الجمهوري في واقعنا وهو تحقيق حياد الإدارة و إعادة مختلف المؤسسات للاضطلاع بدورها حسبما يضبطه القانون و تحمل مسؤولياتها دون وصاية أو توظيف من أحد و إخضاعها لآليات المراقبة اللازمة لجدواها بما يخلصها مما ران عليها من ممارسات بيروقراطية عقيمة و محسوبية و فساد. وهي أيضا خطوة متقدمة ستخلق ديناميكية جديدة في مجتمعنا و تعوده على التعامل نع المؤسسات بمنطق جديد ينمي فيه مقومات المواطنة و احترام القانون.
إن هذا النسق هو وحده الكفيل بفتح الباب أمام إصلاح القضاء تكريسا لدولة القانون والمؤسسات. فاستقلال القضاء و ترقية أدائه كما سبق أن تناولناه يضل الركيزة الأساسية اللازمة لبناء الديموقراطية في واقعنا و الضمانة الضرورية لحماية مختلف الحقوق و الحريات العامة و الخاصة و لن يتحقق هذا كما كنا مدركين لذلك منذ البداية إلا في إطار إصلاح شامل يرتقي بالدولة ذاتها إلى مستوى أعلى تتحقق لها فيه كل مقومات الحكم الحكيم "La bonne gouvernance".

طبيعة القوى الفاعلة
في معاداة التحول الديموقراطي

كل هذه المستحقات مدركة منذ أمد بعيد و إلى حد كبير الآن في أوساط السلطة و لدى المعارضة و يستشعرها المجتمع من معاناته اليومية إلى حد كبير. فما السبب الذي يحول دون طرحها و تناولها من مختلف جوانبها.
لا شك أن حرية الإعلام تمثل مدخلا أساسيا لأي تحول ديموقراطي. و الإعلام في تونس اليوم بلغ درجة من الضبط و الرقابة و الانتقاء إلى حد أنه تحول إلى ميدان غائم تحكمه قواعد غريبة و تسيطر عليه المخابرات حتى تحول إلى جهاز تكييف اجتماعي و من أهم وسائل التحكم في يد السلطة اليوم و أخطرها عليها و من الوهم ترقب مبادرة تطلق حرية الإعلام و الصحافة و التعبير عن الرأي فشأنه شأن جميع وسائل الضبط التي تمسك بها السلطة مثل الإدارة و القضاء و الحزب و القوة العامة يتوقف إصلاحه على نضرة إصلاحية شاملة لا يبدو أنها من الأولويات المطروحة على الرز نامة اليوم.
لذلك لابد لوعي هذه الإشكالية من معرفة القوى الفاعلة و المسيطرة داخل النظام الحاكم اليوم لفرز قوى الجذب إلى الوراء و القوى الدافعة للإصلاح و تبين أسباب تغلب قوى الجذب و الصدى الباهت لقوى الإصلاح.
من السهل تبين معالم المنظومة التملكية التي تحكم منطق السلطة اليوم. فالسلطة لم تعد هدفا في حد ذاتها كما كانت في عهد الرئيس السابق الذي يمثل المرحلة الأولى من الاستقلال. وإنما أصبحت السلطة أداة التحكم في حسم التنافس على تحقيق المصالح الخاصة لما تتيحه من امتيازات و قدرة تملكية تطلق أيدي الماسكين بها في جميع الميادين تحت خلفية الخوصصة و تشجيع المبادرة الخاصة و التفويت في أملاك الدولة في غياب ضوابط و آليات تتيح توزيع ثمرة المجهود الإنمائي المثقل على حساب كامل المجموعة الوطنية بصفة عادلة و شفافة تضمن عدم استئثار أقلية نافذة في السلطة و تواطئها على احتكار جميع الثروات.
إن السلطة في غياب الوعي الكافي بتوفير هذه الأرضية لا يمكن إلا أن تتحول إلى اعتماد مفتوح اعتماد مفتوح لتوظيف التابعين و تشغيل الأعوان بما يتجه إلى بناء شبكات تأثير منتشرة في جميع الميادين همها قضاء المصالح و تسهيل التجاوزات في قضاء المصالح بحسب ما يتيحه نفوذها و موازين القوى بينها بما يتحول إلى سيطرة مطلقة و خرق سافر للقوانين لا تجد الدولة إلا الإذعان لها بما يحولها إلى مجرد ستار لعملية نهب منضم على حساب بقية الفئات الاجتماعية يعطي عملية النهب شرعية مزيفة لا تلبث أن تتحول إلى عنف منضم يشرع الاستبداد السياسي و ما هو في الحقيقة إلا تكريس لاستبداد اقتصادي قائم على عملية نهب غير مشروع و ما ترتب عنه من اختلال سريع للتوازن داخل المجتمع.
و هكذا تتحول السلطة إلى اعتماد مفتوح لانتهاب البنوك بدون أي ضمانات أو احترام للضوابط و القوانين.
و هي الطريق للمحاصة في المشاريع و مراكمة الأسهم و السندات لمجرد تسهيل الإجراءات.
و هي أيضا التي تعطي النفوذ لكل التجاوزات من اختراق الجمارك و تحييد الجباية و الأداءات و تسويغ كل المغالطات بحيث تتحول كل هذه المؤسسات إلى خادمة طيعة في أيدي بعض الوجاهات.
و السلطة أخيرا  وسيلة لتصفية الحسابات و تعطيل أعمال كل المنافسين و قد تصل إلى حد السطو على الأرزاق عندما تتحول قراءة القوانين إلى توسل لإرضاء أصحاب الجاه و النافذين.
إن المنظومة التملكية لا تقتصر على الهيمنة على كل المنافع و الامتيازات بل أنها تبتز البرجوازية الوطنية ابتزاز العصابات و ترغمها على الشراكة و دفع العمولات و لا تترك لها سوى سبل التواطؤ للبقاء و تجنب تبديد ثرواتها و تعطيل أعمالها و انتهابها من طرف مؤسسات ظالمة بالخطايا و الغرامات و القضايا و الفوائض و الأداءات لا يوازي إجحافها معها سوى تنصلها من القيام بدورها مع غيرها ممن تعجز أن تطالها أيديها لسطوة من يحميها.
إن هذه المنظومة لا تكتفي بالسعي إلى تملك مختلف الموجودات حيث تتحول الثروة الوطنية في منظورها إلى ثروة ذاتية بقدر ما تتيحه قدرة استيعابها من مراكمة الأراضي و العقارات و عقود الوساطة و السمسرة بحسب أهمية العمولات بحيث تتحول العطاءات العامة إلى منافسة في المزايدة في العمولات و في التقرب من حواشي الماسكين بسلطة البت في القرارات إن الانطباع الواهم بحركية اقتصادية الناجم عن هذه العمليات لا يلبث أن ينكشف في طبيعته باعتباره قائما على تحويلات اجتماعية لفائدة أقلية لا تحمل عقلية تنموية قادرة على إنجاح المشاريع الاقتصادية بقدر ما يحكمها من نزعات تملكية بدائية متوحشة.
و يتم تمويل هذه الديناميكية الخادعة عن طريق القروض العمومية التي تغدقها الدولة لفائدة مخصوصيها دون غيرهم حتى أن الاقتراض العمومي من الأسواق المالية العالمية ينحرف عن خلفيته التنموية ليتحول لمجرد انتهازية في المغالاة في استدرار التحويلات الأجنبية و الاستئثار بها على حساب ارتهان المقدرات الوطنية على مدى عقود يعرف المتسببين فيها أنهم لن يقوموا بتسديدها.
هذه النزعة التملكية الاحتكارية ذات الأفق الاقتصادي الضيق هي القوة الجديدة التي تحكم على السياسة منطقها و توظف  الدولة لخدمتها و تشكل الآن بطانة العصر.
إن توظيف الدولة من طرف هذه البطانة التملكية المستبدة لا يندرج في بناء الدولة الوطنية المنيعة بقدر ما يأتي انقلابا عليها ضمانا لعدم المحاسبة و تكريسا لانتهاك القانون بما يعد تملكا صارخا بالدولة ذاتها و إفراغا لمختلف مؤسساتها من حقيقة وظائفها و تحجيما لها عن القدرة على الاضطلاع بمسؤولياتها و ذلك باختزالها في بعض الأعوان التابعين المطوعين لخدمة الأهداف التملكية للمنظومة المسيطرة عليهم.
إن دور السلطة اليوم في قوتها القسرية قد اختزل في ضبط الطبقات الشعبية و تطويعهم للقبول بوضعية الانسحاق و الدونية بترتيب العلاقات الهرمية على قواعد تسلطية رادعة لا تتيح إلا التملق و التوسل و الطاعة العمياء للأهواء و قبول بنزوات الإهانة و الإقصاء بما يربي على الاستقالة و الرياء بحيث يشكل جهاز الدولة في حد ذاته مجرد انتهازية ثانوية تسهر على حماية الوصاية التملكية العليا على مختلف نواحي الحياة.
و يتسم دور الدولة مع طرفي المنظومة بعلاقة مزدوجة و متناقضة.
فبقدر خضوعها و طاعتها و خدمتها للحد العلوي تشدد سطوتها وبطشها و نقمتها على الحد السفلي بحيث أنها بقدر ما تتعامل خادمة صاغرة مأمورة مع القوى الطاغية عليها يشتد استكبارها و سطوتها وصدها للمحيدين و تحكمهم بعلاقات بوليسية قمعية تنضح بمظاهر التنكيل و الاحتقار للكرامة البشرية بحيث تسيمهم الاضطهاد و الابتزاز و تفرض عليهم علاقات تمتهن كرامتهم بما يدمر القيم الأخلاقية المؤسسة للمواطنة في استقلاليتها و علويتها في أي منظومة جمهورية قائمة على مبدأي المساواة و الحرية.
إن الدولة بمختلف مؤسساتها لم تعد تحتل مركز القيادة العليا المشرفة على المشروع المجتمعي الذي بشر به دستور الاستقلال بل أنها فقدت موقعها كهيكل علوي للمجتمع "Superstructure de la société" و أنزلت إلى مرتبة وسطية من طرف قوة طاغية أقامت عرشها عليها و هو ما أنتج في عالمنا اليوم ظاهرة الجمهوريات الملكية الهجينة و التي حولت المؤسسات الدستورية إلى أجهزة قمعية مرتزقة في انتهاك مريع لكل قيم الشرعية.
إن الجمهورية اليوم رهينة باعتها بيروقراطية منحرفة جائعة رضيت بموقع الدونية تحاول التنظير للارتداد على قيم المساواة  وفرض منطقها بالعنف و التسلط و لا تحمل في عنفها و تسلطها سوى مزيدا من العنف و التسلط لأن النزعة التملكية التي تحكمها تتجاوز الأشياء و تطال الإنسان في أسمى مقومات إنسانيته لما يمثله تحديها من انتهاك لأبسط القيم و استهتار بالتاريخ يمكن التعبير عنه بالعبودية العصرية التي تقوم فيها دولة الظالمين بدور الوصية.

المختار اليحياوي
رئيس مركز تونس لاستقلال القضاء و المحاماة
30 أفريل 2002


 

بــــــيـــــــــان

بعد دراسة مشروع تنقيح الدستور الذي قررت السلطة عرضه في استفتاء مزعوم على الشعب التونسي يوم 26 ماي 2002. ونظرا للإخلالات القانونية الصارخة بالقانون الانتخابي وبالدستور الحالي الذي ينص صراحة على أن صيغ إجراء الاستفتاء يقع ضبطها بموجب قانون أساسي يسنه البرلمان وليس بموجب أمر ترتيبي يصدره رئيس السلطة التنفيذية كما وقع بالنسبة للاستفتاء الحالي بالأمر عدد 629 لسنة 2002 المؤرخ في 3 أفريل 2002.
فإن المؤتمر من أجل الجمهورية كلف الأستاذ عبد الوهاب معطر أستاذ القانون الدستوري والمحامي بتونس والعضو القيادي في الحزب بالقيام بإجراءات الطعن من أجل تجاوز السلطة (انظر النص المرافق) لغاية إلغاء الأمر الرئاسي الداعي للاستفتاء وذلك لدى المحكمة الإدارية باسم أي مواطن أو مواطنة له أو لها غيرة على البلاد.
علما وأن المؤتمر قد طعن في الشرعية السياسية لهذا الاستفتاء نظرا لغياب شروط الاستفتاء الديمقراطي وتعارض موضوعه مع مصالح الشعب التونسي في مساءلة حكامه واختيارهم بصفة حرة عبر التداول السلمي على السلطة.

الحمعة 10 ماي 2002
عن المؤتمر من أجل الجمهورية
الــــرئيس منصف المرزوقي

الأستــــاذ عبـــد الوهـــــاب معطـــــر
الـمـحـامي لـدى الـتـعـقـيـب

نهج حفوز عمارة الإنطلاقة مدرج ب4 صفاقس
الهاتف : 74226041  الفاكس : 74212385

مـن الاسـتـاذ عـبـد الـوهــاب مـعـطـر
المحامي لدى التعقيب
في حق منوبته سهام بنت أحمد بـن سدرين
إلـــى الســيــد الــوزيـــــر الاول الـمـحـتــرم
القصبة تونس

الموضوع: مطلب مسبق على معنى الفصل 19 فقرة أخيرة من القانون عدد 40 لسنة 1972 بشأن التظلم من الأمر عدد 629 لسنة 2002 مؤرخ في 3 أفريل 2002 يتعلق بدعوة الناخبين للإستفتاء في مشروع القانون الدستوري المتعلق بتنقيح بعض أحكام من الدستور.

المرفوقات:

• إعلام نيابة متمبر
• نسخة من الامر عـدد 629 لسنة 2002 المطعون فيه.

السيد الوزير الاول المحترم

حيث صدر عن السيد رئيس الجمهورية الأمر عدد 629 لسنة 2002 مؤرخ في 3 أفريل 2002 يتعلق بدعوة الناخبين للإستفتاء في مشروع القانون الدستوري المتعلق بتنقيح بعض أحكام الدستور.
وحيث أن المنوبة السيدة سهام بنت أحمد بن سدرين قد كلفتنا بالطعن في هذا الأمر مثلما يثبته إعلام النيابة المرافق .
وحيث أن المنوبة بوصفها مواطنة تونسية متمتعة بحقوقها المدنية والسياسية لها مصلحة اكيدة في الطعن في الأمر عدد 629 لسنة 2002 لما فيه من إضرار بحقوقها .
وحيث ان الأمر عدد 629 المذكور الداعي إلى الإستفتاء من المتعين الرجوع فيه بسبب تجاوزه للسلطة بناءا على التالي :
حيث احتوى هذا الامر الترتيبي على عشرة فصول ثلاثة منها لا مطعن فيها وهي تلك المتعلقة بالدعوة إلى الاستفتاء وبتاريخه (الفصل الاول) وبموضوعه (الفصل 2 ) وبساعة بداية الاقتراع وختمه (الفصل 3) . وهذه الفصول جاءت تطبيقا للفصل 135 من القانون عدد 93 لسنة 1998 المؤرخ في 06 نوفمبر 1998 الذي اقتضى حرفيا في فقرته الأولى ما نصه:  "تقع دعوة الناخبين للإستفتاء تطبيقا لأحكام الفصول 2و47و46 من الدستور . يضبط تاريخ الإستفتاء بالأمر المتعلق بدعوة الناخبين ويتعين أن يلحق بهذا الأمر النص أو الموضوع المعروض للإستفتاء"
وحيث أن الفصول الثلاثة المذكورة آنفا من الامر عدد 629 تعتبر تطبيقا سليما للفصل 135 .
إلا أن الأمر الترتيبي المطعون فيه لم يقتصر على هذه النقاط المسندة له بالفصل 135 من المجلة الإنتخابية بل انه تجاوز ذلك بكثير إذ انه تضمن :

أ  - الترخيص للأحزاب بالمشاركة في الحملة التفسيرية طبق الإجراءات التي حددها (الفصل5).
ب - الترخيص للأحزاب في استعمال الإذاعة والتلفزة طبق الإجراءات التي وضعها (الفصل 6) .
ج - ضبط نوعية أوراق الإقتراع ولونها ومحتواها (الفصل 7) .
د - تعيين طريقة فرز الأصوات (الفصل 8).

وحيث أن جميع هذه الفصول تفتقد تماما إلى المشروعية وفيها تجسيد لتجاوز السلطة يتمثل في الآتي:

أولا : خرق القانون المأخوذ من مخالفة الفصل 135 من المجلة الإنتخابية:

حيث وكيفما هو مبين اعلاه احتوى الامر الترتيبي عدد 629 على فصول تضمنت أحكاما تتعلق بجميع اطوار عملية الإستفتاء بدءا من اجراءاته وصولا إلى نتائجه كما انها حددت حقوق الأحزاب واجراءات تمتعها بهذه الحقوق وذلك حسب السلطة التقديرية المطلقة للجهة التي أصدرته .
وحيث أنه بالرجوع الى الفصل 135 من المجلة الانتخابية السابق الإلماع اليه يتضح انه اناط بإختصاص الأمر الترتيبي مسائل محددة لا يتعداها وهي ضبط تاريخ الإستفتاء ودعوة الناخبين له .
وحيث أن المسائل الاخرى التي تناولها الأمر المطعون فيه مثل صيغ ومشاركة الأحزاب السياسية وطريقة الإقتراع وكيفية فرز الاصوات وأوراق الإقتراع وغيرها هي أمور خارجة تماما عن اختصاص الأمر المتعلق بدعوة الناخبين للإستفتاء . ليس فقط لتعلق موضوعها بالحقوق السياسية والمدنية ولانعكاساتها المباشرة على شروط ونزاهة الإستفتاء بل وايضا لان مثل هذه الأمور لو كانت مندرجة في اختصاص الامر الترتيبي الداعي إلى الإستفتاء لوقع التصيص على ذلك صراحة بالفصل 135 من المجلة الانتخابية الذي علىأساسه صدر الأمر عدد 629 المطعون فيه .
وحيث وطالما أن الفصل 135 المذكور لم ينص على هذه الصورة فإن الأمر المطعون فيه جاء في مخالفة صريحة وخرق واضح له .
وحيث اعمالا لمبدأ تراتبية القواعد القانونية والذي بموجبه لا تكون الأوامر الترتيبية مشروعة إلا متى كانت غير مخالفة للقوانين الأعلى منها فإنه من المتجه التفضل بالرجوع في الأمر عدد 629 المطعون فيه لهذا السبب وحده.

ثانيا : عيب الإختصاص :

حيث لا جدال أن الامر المطعون فيه قد احتوى على فصول تناولت كما أسلفنا مسائل تتعلق بتحديد اطراف الحملة التفسيرية وبضبط إجراءات المشاركة فيها وبطريقة الإقتراع وبنوعية الاوراق وبإجراءات فرز الأصوات .
ولا جدال أن جميع هذه المسائل تتصل بجوانب الدعاية (الحملة التفسيرية) والاقتراع والكشف عن النتائج .
وحيث بالرجوع إلى القانون عدد 25 لسنة 1969 المؤرخ في 08 أفريل 1969 المتعلق بالمجلة الإنتخابية يتضح انه ضبط القواعد الخاصة بالدعاية (الفصل 26 إلى 37) وبالإقتراع (الفصل 42 الى 49) وبالكشف عن النتائج (الفصل 50 الى 56) المتعلقة جميعها بالإنتخابات سواءا كانت رئاسية أم تشريعية .
وحيث فيما يتعلق بالإستفتاء فقد أضيف من اجله عنوان خامس للمجلة الانتخابية بموجب القانون الاساسي عدد 66 لسنة 1976 المؤرخ في 11 أوت 1976 لكن الفصول الخمسة المدرجة في هذا العنوان لم تورد أي ذكر للقواعد الخاصة بالدعاية والإقتراع وفرز الأصوات وهي مسائل ذات أهمية قسوى إذ هي تشكل فيما بينها ما جاء في نص الدستور التونسي تحت اسم "صيغ إجراء الإستفتاء والإعلان عن نتائجه".
وحيث في معرض حديثه عن الإستفتاء نص الدستور التونسي في الفصلين 47 و 78 فقرة ثالثة على انه "يضبط القانون الانتخابي صيغ إجراء الإستفتاء والاعلان عن نتائجه".
وحيث أنه وبصريح نص الدستور فإن ضبط القواعد المتعلقة بالدعاية للإستفتاء وبالأطراف التي يمكنها المشاركة فيها و بالطريقة التي يتم الإقتراع بها وبالكيفية المعتمدة للكشف عن النتائج هو شأن مسند الى القانون الإنتخابي الذي يختص به مجلس النواب طبق الفصل 28 فقرة 7 ومن ثمة فإنه لا شأن لرئيس الجمهورية به مطلقا .
وحيث ان الأمر عدد 629 المطعون فيه لما تناول هذه الجوانب وضبط لها قواعد يكون قد خرج عن الإختصاص التابع له وهو ما يجعله مشوبا بعيب الإختصاص ومن المتجه تبعا لذلك التفضل بالرجوع فيه لهذا السبب ايضا.

ثالثا : الإنحراف بالسلطة :

حيث أن حلول الأمر المطعون فيه محل القانون في ضبط وتحديد صيغ وإجراء الإستفتاء يشكل انحرافا واضحا بالسلطة عملا بالفصلين 34 و35 من الدستور .
وحيث اتجه تبعا لذلك واحتراما للمشروعية القانونية التفضل بالرجوع في الأمر المطعون فيه لهذا السبب أيضا .
ولـهـذه الأسـبــاب
أطلب من الجـناب التفضل بالرجوع في الامر عدد 629 لسنة 2002 المؤرخ في 03 أفريل 2002 المتعلق بدعوة الناخبين للإستفتاء في مشروع القانون الدستوري المتعلق بتنقيح بعض الأحكام من الدستور لتجاوزه السلطة .

ولكم النظر والسلام
محترمكم الأستاذ عبد الوهاب معطر
صفاقس : الخميس 09 مـــاي 2002