Vous êtes ici : Sommaire > TUNeZINE 118 > راشد الغنوشي يجيب عن رسالة السيد زهير اليحياوي
TUNeZINE

E-mag

- TUNeZINE 118
- TUNeZINE 117
- TUNeZINE 116
- TUNeZINE 115
- TUNeZINE 114
- Hors-Série 003

Anciens Numéros


Rubriques

Le Forum
Là où l’on cause
Ils écrivent
Les Associations
Les Clefs
Pour comprendre le site
Un peu d’Actu
Liberté, grèves, faim ...
La Galerie
A voir et à entendre
Chantier Démocratique
Pour la Liberté en Tunisie
Des Liens
Pour découvrir
V.I.P...
Prisonniers de l’Injustice

Rechercher



راشد الغنوشي يجيب عن رسالة السيد زهير اليحياوي


بسم الله الرحمن الرحيم

الى الابن العزيز والمناضل الأبيّ، والمواطن الغيور السيد زهير اليحياوي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد: تأملت طويلا في رسالتك، وحمدت لك عمق مشاعرك الانسانية والوطنية، وحملك بصدق وإخلاص هموم فئة من خيرة أبناء تونس دفنوا أحياء في مقابرالنسيان، أوكارالظلم والتوحش، بفعل قصدي الى الانفراد من قبل البعض، وتواطئ وانتهازمن البعض الآخر، فآليت على نفسك وقد منّ الله عليك بالخروج من تلك المقابر- حتى وإن يكن الى سجن موسع هو الوطن على اتساعه الذي حوّله الطغيان الى معتقل كبير وساحة للرعب والتسلط والعدوان على كرامة الناس وأموالهم وأعراضهم- آليت على نفسك كما يفعل كل حر كريم- وقد لمست عن قرب ما ماز تلك الصفوة- وعلى الضد من كل ما ألصق بها- من سمو أرواح وشموخ أخلاق ورجاحة عقول، أن لا تدخر وسعا في نصرة قضيتهم وهتك استار التعتيم عن مظلمتهم غير المسبوقة في تاريخ البلاد حتى في أحلك ظلمات الاستعمار، ولكنك ألفيت نفسك بعد بضعة أشهر من مغادرة ذلك القبر عاجزا أن تفعل شيئا كثيرا مجديا، وهو ما قادك الى محاولة خرق جدار المعتاد من التفكير والأساليب التي لم تجد حتى الآن نفعا في لفت الانظار بقوة الى تلك المظلمة ووضعها تحت الاضواء الساطعة باعتبارها وصمة عار في تاريخ تونس الحديث وأنشوطة تخنق رقبة كل حر كريم، وشهادة إدانة للشياطين الخرس الذين أسهموا ولا يزالون على نحو أو آخر في استمرارها حتى بالصمت أو بخطابات المجاملة من طرف اللسان، فيحتل مسعى استرجاع وثيقة - في جدول أعمال منظمات محلية ودولية نذرت نفسها للدفاع عن حقوق الانسان- حجما يفوق مظلمة ألف سجين، فقط لأنهم إسلاميون وكأن الاسلاميين صنف آخر من الكائنات، مما يجعلهم حمزة هذا الزمان، إذ شاهده النبي عليه السلام مشدوخا مقطع الاوصال والناس يبكون قتلاهم، فقال" إلا حمزة، فلا بواكي له". من هنا اتجه تفكيرك الى خرق المألوف ابتغاء وضع هذه المظلمة في قلب اهتمام الرأي العام المحلي والدولي حتى تتحول جمرة حارقة لا تقوى معها قبضة الطغيان على مواصلة نهجها في الخنق والقتل البطيئ. والفكرة باختصارتتمثل في اقتراحك عودتي في بحر هذه السنة الى أرض الوطن على اعتبارخصوصية هذه السنة من حيث توفرها على "محطة مهمة" هي "الانتخابات" التي ستكفل لفت نظر الرأي العام الدولي الى "الحالة التونسية" بما قد يحدّ من شبق السلطة الى البطش ويفرض عليها القيام ببعض التحسينات. غير أنك إذ اقترحت ذلك لم تكن حالما، فترجّح احتمال أن تسلك السلطة إزاء هذه المبادرة مسلك التعقل، والتحسب لعواقب الامور، فما بالطبع- كما يقال- لا يتغير، إذ العنف والتضليل هو كل ما تتقن في التعامل مع التحديات الداخلية، باعتباره صناعتها المفضلة، بما يجعل في حكم المؤكد أن ما ستفعله هو إضافة سجين آخر، وكأن النهضة ينقصها تمثيل في السجن الصغير أو الكبير، والحال أن ممثليها فيهما كثر. ولكن ذلك - حسب تقديرك فيما يبدو- رغم ما يحمله من أخطار على هذا السجين الاضافي فإنه سيفضي ولو بعد حين -لا محالة- إلى حل المشكل برمته، إذ أن تجميع خيوط الضوء حول هذه المظلمة سيفضي الى تكثيف الضغط على السلطة بما لا تقوى على مقاومته، فتقدم على إصدار عفو عام، وهو المطلوب! فتكون الخطة هي من قبيل "اشتدي أزمة تنفرجي" أي حل المشاكل من طريق زيادة تعفينها. فما الموقف من هذا المقترح الجريء؟.

وإذ أجدد الشكر لك على اهتمامك وحسن ظنك فإني أهتبل هذه الفرصة لتقديم إضاءات أحسبها مهمة لإنارة الرأي العام حول بعض الملابسات تتعلق بالحركة وعلاقتها السلطة، وذات مساس بالمشكل المطروح.

1- إن بقائي خارج الوطن العزيز لم يكن قرارا فرديا استئثارا بالسلامة، بل قرار مؤسساتي، فقد خرجت على إثر سقوط شعارات 7 نوفمبر أمام أول امتحان لها، وهو انتخابات 1989 حيث عادت حليمة الى عادتها القديمة من الانغماس حتى الاذقان في جريمة تزييف إرادة الشعب، فكانت خيبة أمل، وكان تشديد الحصار والخناق الامني حول الفائزين، بعد سلبهم حقهم، تمهيدا لعقابهم واستهدافهم بالاستئصال، حتى يخلو الجو لحكم الاستبداد والنهب المحلي والدولي دون إزعاج. ولما اشتد التضييق الى درجة شلّ كل نشاطي، وتلقيت دعوة من جمعيات طلابية في ألمانيا لالقاء محاضرة لبيت الدعوة، علّي ألتقط نفسا بعد عشرية كاملة من الحصار والسجن، وخرجت بطريق قانوني، بنية العودة بعد القاء المحاضرة. ثم توالت الدعوات- وكنت قبلها قد انقطعت عن العالم أكثر من عشر سنوات-. وخلال ذلك أخذت الاوضاع في البلاد تسوء وتشتد القبضة على النهضة وتنكشف شيئا فشيئا خطة استهدافها بالاستئصال وتجفيف الينابيع، عبر موجات الاعتقال المتصاعدة، وخطط ثقافية لإعادة تشكيل جهاز الدولة كله أداة حرب على الاسلام والاسلاميين والحرية ومؤسسات المجتمع لاحقا، فطلبت اليّ المؤسسة القيادية البقاء في الخارج حتى ينجلي الغيم.

2- ولما استحرّ الاعتقال وتصاعد إعصاره لدرجة الاحاطة بالاخوة وتعذر استمرار المؤسسات في الداخل لم يكن بد من نقل القيادة -استثنائيا- إلى الخارج، فتشكلت عبر مؤتمرات مؤسسات قيادية تولت رعاية مصالح الحركة والدفاع عن مظلوميتها. وكان من بين المسائل التي طرحت في المؤسسة القيادية مسألة عودة القيادة ومنها رئيس الحركة، باعتبار ذلك هو الأصل، ولكن التقديرات لجملة الاوضاع لم تجئ لصالح العودة في الظروف الراهنة، ووضعت لتلك العودة شروطا منها أن يكون ذلك مطلبا لعدد كاف من القياديين في الداخل. ولو أن مثل ذلك الطلب يأتي اليوم معززا بمشورة أصدقائنا في الميدان ما ترددت في الاستجابة إن شاء الله.

3- إن الهجرة أي البقاء -استثنائيا- في الخارج على سلبياته وفرت للحركة مساحة للدفاع عن صورتها التي استهدفت بخطة تدمير، وعن مساجينها الذين استهدفوا بحرب إبادة مبرمجة، مساحة للفعل لا تقع في مجال الرمي المباشر، كما حفظ بفضل الله وحدة الحركة، وفوّت على السلطة هدفها في توريطها في مستنقع العنف، وقد كان ذلك ممكنا من طريق اندفاعات شباب مقهورفي مواجهة سلطة غاشمة تمعن في التنكيل وانتهاك الأعراض، لا سيما عند الصدمة الأولى، ومع توزع أكثر من ألف شاب هارب من الجحيم على عشرات الدول ومعاشرتهم فيها لجماعات عنيفة في وقت كانت المهاجر في النصف الاول من التسعينات تمور بثقافات العنف وممارساته في أكثر من قطر: الجزائر البوسنة مصر..الخ. لم يكن في مثل تلك المناخات يسيرا لجم أولئك الشباب عن التورط في مستنقع العنف مما كان كفيلا بالزج بالبلاد في اتون العنف، ومفاقمة واطالة ليس محنة الحركة وحسب بل محنة تونس كلها، وتقديم المسوغات الكافية لسلطة القمع أن تستصرخ العالم ، بدل أن يظل خطابها الواصم معارضيه بالارهاب معلقا محجوجا عاريا من كل مصداق محاصرا سفيها. ومع ذلك فإن غياب النهضة عن ساحة البلاد لتواصل مهمتها التي لا تعوض في تأطير الشباب الاسلامي في إطار منهج الوسطية والاعتدال رفع حاجزا وقف لسنوات طويلة يحمي الاسلام التونسي - إذا صح التعبير- من غائلة مناهج العنف والتطرف. والمتابع لما تنشره وسائل الاعلام لا يكاد يمر عليه يوم دون ترد عليه أنباء عن شبان تونسيين تلاحقهم تهم الاشتراك في أعمال إرهابية أو بعلاقة بمنظمات متخصصة في هذا المجال.. قتل الشاه مسعود متهم فيه تونسيون، محاولة اغتيال الرئيس مشرف كذلك.. فضلا عن العدوان على كنيس الغريبة..الخ . وليس هناك ما يقطع أن تلك الاعمال هي وقائع شاذة معزولة، إذ ما يكاد يخلو سجن في أروبا اليوم من شبان تونسيين من هذا القبيل، بينما لم يكن شيء من ذلك ينسب الى تونسيين يوم كانت النهضة تؤطر هذا الشباب. والأجهزة ذات الاختصاص تعلم التباين بين منهج هؤلاء ومنهج النهضة، وأن أحدا على صلة بالنهضة لم يتورط في هذه الأعمال. وهو ما أبقى -بفضل الله- على المجرى الرئيس للحركة الاسلامية التونسية سليما من لوثة العنف والتشدد، عاضا بالنواجذ على سمت الاعتدال والتعددية، حارما السلطة من شماعة تحتاج لها لتسويغ استمرار قمع المجتمع واستجلاب المعونات تحت غطاء الحرب على الارهاب وهي وحده مصدره. إن ذلك أحد انجازات تونس المهاجرة بما ظل يشد الانظار أكثر فأكثر الى ذلك المصدر الحقيقي لأزمة البلاد: الاستبداد، فتوالت شهادات الادانة بالعنف والعدوان بكل أنواعه على قيم الحداثة وحقوق الانسان متجهة الى مصدر وحيد هو السلطة القائمة. فضلا عما وفره المهجر من خدمات أخرى راهنة ومستقبلية مهمة للحركة بل حتى للحرية بالبلاد.

4- إنني على أتم اليقين من صدور مقترحك عن دوافع انسانية وطنية نزيهة، سبق أن تلجلجت - ولا تزال- في نفوس كثير من شباب تونس، وسبق أن عبر عنها الكثير منهم خلال بعض الحوارات المباشرة التي أجروها معي على شبكة الانترنت (إسلام أون لاين وشبكة محيط..ربما كان ذلك خلال وجودك بالسجن) وأنا عظيم التقديرلغيرة الجميع وعاطفتهم وإخلاصهم وحرصهم على المصلحة الوطنية العامة وأؤكد لهم أنه لا يشغلني وسائر إخوانكم المهاجرين شيء مثل هم العودة الى الوطن الحبيب ولثم تراب الخضراء من بنزرت الى برج الخضراء، وهم جميعا يتحينون حالا مناسبا، "قل عسى أن يكون قريبا". وكثير منهم- وأنا من بينهم- مستيقنون أن مرحلة الهجرة في أيامها الاخيرة وأن البلد الحبيب يستشرف طورا جديدا تحتاج معه البلاد الى جمع شمل كل أبنائها للاسهام في مرحلة التحول وإعادة بناء ما تم تخريبه وهو كثير كثير ويحتاج ربما إلى قرن من كفاح التونسيين.

5- غير أن صدور هذا المقترح الجريئ من قبل شاب ذكي زكي مثلك يزيده أهمية ويفرض عليّ وإخواني أخذه بما يستحق من البحث الجاد وتبادل الشورى مع الاخوان والاصدقاء داخل الوطن العزيز وخارجه، باعتباره مقترحا ثوريا جادا قد يفتح ثغرة في الجدار المسدود. والشعوب تحتاج في حالات الانسداد كالتي يمر بها البلد العزيزالى أن تصيخ السمع لحكمائها ولشبابها، فكثيرا ما يكون الفكر الجديد المبدع شابا، بينما الاجيال المتقدمة كثيرا ما يحبسها المعتاد المألوف ويهيمن عليها الحذر، فتنكص عن الاستجابة لنداء الوقت، فيكون ذلك إيذانا بانقراض جيل وولادة آخر.أنا أعدك وجيلك أخي زهير أن هذا المقترح الجاد سيظل حاضرا أبدا في في طليعة اهتمامنا وجدول أعمالنا ونوليه ما يستحق من المدارسة الجادة. ولن أتردد إن شاء الله في المضي قدما الى ما تفضي اليه الشورى بعون الله عز وجل. ولو أن الاسود الرابضة وراء القضبان - باعتبار المقترح ينطلق من دافع تحريك قضيتهم ووضع نهاية لمظلمتهم التي طالت- لو أنهم يبادرون الى تعزيز مقترحك يا زهير ما تأخرت - إن شاء الله- ، وذلك رغم قناعتي الثابتة خلال تجربة الصراع المستمرة والمريرة مع سلطة القمع منذ ربع قرن أنه محظور على المناضل الجدير بهذا الاسم أن يسلّم نفسه ..المناضل يواصل مسيرته، كاحا في طريق ربه كدحا حتى ينصره الله أو يهلك دون ذلك فيسقط في الميدان. وفي حال نضالنا السلمي يستمر ذائدا عن حياض دعوته حتى ينتصر أو يظفر به العدو فيأسره، فيصبر ويصمد. المرة الوحيدة التي سلّمت فيها نفسي للبوليس كانت يوم9مارس1987ولم تكن تنازلا عن قناعتي السابقة والدائمة، وإنما كانت نزولا عند قرار المؤسسة القيادية التي قدّرت مصلحة في ذلك لم أشاركها فيها ولكني استجبت، فظل شبح الموت لأشهر طويلة مخيما فوق رأسي. ولكن الله سلّم.. رغم كل ذلك فمقترح زهير والابنة أم فاروق وكل الابناء الاعزاء، لا يمكن إلا أن نتعامل معه بكل جد ومسؤولية.

6- المؤكد بل البدهي أنك يازهير لا تقصد الرهان على نزاهة أو عقلانية السلطة إذ اعتبرت أنها ستجد نفسها مضطرة الى إصدار عفو تشريعي لتلافي أو لتنفيس الضغط الذي ستتعرض له عند سجني، لا سيما وقد غدت براءة النهضة من تهمة الارهاب التي فشل نظام القمع فشلا ذريعا في الصاقها بها، غدت عارية من كل مصادقية وإلا "ما تركتني بريطانيا أتحرك بحرية" - حسب تعبيرك- في زمن غدا موضوع الارهاب تحت أقوى المجاهر وبيد أقوى وأدق الاجهزة الدولية المختصة. والحقيقة أن سلوك السلطة لو كان به قدر من العقلانية والنزاهة ما وصلت البلاد الى هذا المأزق والانسداد ولما حوكمت النهضة أصلا وهي المعروفة لدى كل من له إلمام بالفكر الاسلامي الحديث وبالحركات الإسلامية -إن لم تكن الرائدة فهي من أبرزالرواد في التأسيس داخل الثقافة السياسية الاسلامية المعاصرة- لقيم الحداثة من ديمقراطية وحقوق الانسان وتعددية- في إطار ثوابت الوحي - فلماذا تكاد تونس من بين دول عالم الاسلام التي اعترفت بحركة اسلامية أو أكثر- وكثير منها في مواقع السلطة- تنفرد بالاصرار على الربط الاعمى بين الاسلام وحركاته والارهاب، كالاصرار على اتخاذ تجريم اسلامييها وملاحقتهم محليا ودوليا بتهمة الارهاب عقيدة ودينا ورزقا للدولة ؟ هل من دارس منصف يقدر على الزعم أن النهضة هي الاشد تطرفا بين حركات الاسلام المعاصر، بينما هي من بين الأكثرمن نظّر لفكر الاعتدال والوسطية وطورهما في الحقل الاسلامي الحديث وكانت لها علاقات متطورة مع كل حركات المعارضة على اختلاف توجهاتها على قاعدة الدفاع عن الحريات، فأنجزت أعمال مشتركة: بيانات، وندوات صحفية، وحتى مسيرات؟ وهل هناك إمكان لتوجيه تهمة الانحياز للنهضة من طرف كل الديمقراطيات الغربية التي استقبلت لاجئين نهضويين وخولت للكثير منهم جنسيات بلادها واتخذت من شهادات العضوية التي تقدمها إدارة النهضة لأعضائها طالبي اللجوء، وثيقة أساسية لا غنى عنها لقبول مطالبهم من طرف تلك الإدارات في كل الديمقراطيات الغربية (لاجئو النهضة موجودون في حوالي خمسين دولة)؟ هل يمكن اتهام تلك الدول بالتواطئ مع اسلاميي النهضة والتستر على إرهابهم وخذلان نظام علماني حليف!! وكيف يمكن تفسير صدور أكثر من سبعة أحكام قضائية عن محاكم غربية ضد صحف- غررت بها السلطة التونسية لإلصاق تهمة الارهاب بالنهضة من مثل تنظيم محاولات انقلابية في تونس والقيام بأعمال عنف، وهي نفس التهم التي ألصقت بنا في البلاد لتسويغ إقصاء منافس سياسي رئيسي، فلم تجد المحاكم الغربية بدا من تخطئة تلك الصحف وفرض غرامات تعويضية عليها لنا وحملتها على الاعتذار لنا؟. من يصدق أن القضاء التونسي أكثر مصداقية من تلك المحاكم الغربية؟ وهل لو عرضت قضيتنا على واحدة منها هل كان لملف الاتهام - الحامل لنفس الاتهامات- من مكان لائق به غير سلة المهملات؟ أعلم أن مثلك ممن اكتوى بالنار أبعد ما يكون عن الرهان على نزاهة أو عقلانية السلطة إذ دعوتني الى العودة فأنت على وعي كامل بثقل المسؤولية وأمانة الناصح.

7- هل يصح تقدير الأخت العزيزة أم فاروق أن "سلطة ابن علي هي آخر من يرغب في عودة الشيخ لأن هذا سيربك حساباتها"!(تونس نيوز27-2-04) نعم قد يربك حساباتها. أما كونها لا ترغب في ذلك فمشكوك فيه بل كل الشواهد لا تدل عليه بل على ضده، إذ ليس في تقاليد النظام التونسي منذ "الاستقلال" القبول بوجود للآخرإلا في القبر أو ما يشبهه في غياهب السجن الثابت أو السجن المتحرك في البلاد. فلم يحصل أن نفي معارض من البلاد، بل المطلوب السعي بكل سبيل الى استدراجه الى الحضيرة أو تصفيته. السياسة الثابتة مع الآخر هي خنقه وإحكام القبضة حول رقبته داخل البلاد في صورة من الصور وضرب الحصار من حوله لمنعه من مغادرتها، فإذا احتال ونجح في الإفلات، فإما أن يغتال كما حصل مع الزعيم صالح ابن يوسف وآخرين- رحمهم الله- عندما كان ذلك ممكنا، وإما- إذا منعت الظروف الدولية من ذلك- كما هو الحال اليوم- أن يوظف كل نفوذ الدولة وأذرعها الدبلوماسية والامنية والاقتصادية والاعلامية لاستلام ذلك المتمرد وإرجاعه الى المعتقل الكبير أو الصغير، كما حصل مع عشرات من المعارضين. وما يفتؤ نظام القمع منذ بدأت المواجهة يوالي طلباته الى مختلف الدول التي لجأنا اليها لاستلامنا، وبالخصوص بعد أحداث9/11-. ويكفي أن تعلموا أن النظام التونسي هو أكثر نظام عربي تعاملا مع منظمة انتربول المختصة في متابعة الاجرام البحت مثل عصابات الاجرام عديمة الصلة بالسياسة، فتتولى هذه المنظمة الدولية مطاردتهم بناء على تقارير مقدمة لها من دولهم التي ارتكبوا فيها جرائم ثم أفلتوا، فتعمل على اعتقالهم عبر نشر أسمائهم في كل موانئ العالم لتعيدهم الى بلدانهم لينالوا ما يستحقون من العقاب. ولكم أن تدخلوا موقع انتربول على شبكة الانترنيت(www.interpol.int لتقفوا بأنفسكم على هذه الحقيقة: أن قوائم طلبات التسليم المقدمة من قبل الامن التونسي الى هذه المنظمة هي أطول القوائم العربية، فهي تضم مجموعة كبيرة من المعارضين السياسيين والصحفيين منهم الصحفي سليم بقة صاحب دورية الجرأة. وإن كان معظمهم مثل المساجين اسلاميين من بينهم العبد الضعيف وأبرز وجوه حركة النهضة الذين تولى نظام القمع تلفيق ملفات إجرام ضدهم "من قتل وسرقة بنوك وسيارات ..الخ لتيسير اعتقالهم واستلامهم. ورغم أن الديمقراطيات الغربية لم تصدق تلك الاتهامات السافلة، فكفت يد البوليس الدولي عن اعتقالهم، بل عاملتهم معاملة المعارضين السياسيين وما يستحقونه من حماية وفق معاهدة جوناف الدولية، إلا أن ذلك لم يردع سلطة القمع في تونس بل واصلت الكيد لمعارضيها عبردول غربية حديثة العهد بتراث حقوق الانسان وللمافيا فيها نفوذ كبير فنجحت في التسلل عبر اتفاقيات اتحاد دول أوروبا الأمنية "شينغان" القاضي بأن من يمنع من دخول دولة منها يحظر عليه دخولها جميعها. ورغم أنه بسبب وجود مؤسسة قضائية غربية مستقلة نجحنا في كسر كثير من تلك الحواجز وبعضها الآخر مثل إدراج أسماء عشرات منا ضمن لائحة انتربول معروض على المحاكم اليوم فإن سلطة القمع لم تكلّ ولم تملّ ولم تدخر مالا ولا جهدا ولا علاقة لتوظيفها في تحقيق أحد هدفين في التعامل مع معارضيها الذين نجحوا في الافلات: إما استرجاعهم إلى السجن المضيق أو الموسع، وإما في صورة الفشل فالخطة تتمثل في نقل السجن الى حيث هم، تشويها لصورتهم، ووضعا للعراقيل في طريق تحركهم وسعيهم في الارض لاسماع أصواتهم والتعريف بقضيتهم وكشف الغطاء عن" جولاق" تونس الصامت. ولأنها عاجزة عن مواجهة خطابنا الصادع بالحق، بخطاب مماثل، فما يبقى لها من حيلة غيرتسخير نفوذ الدولة لمنع أصواتنا أن تسمع، على غرار نهج أسلافهم "وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون "خطابهم الثابت "ما أريكم إلا ما أرى" أي لا حق لكم في أن تستمعوا الى الرأي الآخر. ومع أن هذا المنطق قد أخنت عليه الفضائيات والانترنت فقد واصلوا السبح ضد أمواج التطور الكاسح، لا سيما وقد نجحوا من خلال نفوذ الدولة في منعي وعشرات من قيادات الحركة من دخول دول عديدة لإلقاء محاضرات وشهود مؤتمرات وندوات إقليمية أو دولية عديدة، ونجحوا في منع خطابنا أن يصل الى الناس عبر قنوات عديدة سلطوا عليها أو على الدول الراجعة لها بالنظر ضغوطا هائلة بلغت حد التهديد بقطع العلاقات للحيلولة دون نشر حديث معنا، بل قطعوا علاقات مع دول لمجرد زيارة واحد منا لها ولم يعيدوها إلا بشرط صد الباب في وجوهنا مثلما فعلوا مع ايران .. كما قاطعوا دور نشر مدة تزيد عن عشر سنوات بسبب نشرها كتب لي، ولم يسمحوا بدخولها مجددا إلا بعد تعهدها بالامتناع عن إتيان ذلك مرة أخرى وهو ما فعلوه مع مركز دراسات الوحدة العربية بسبب طبعه لكتابي "الحريات العامة في الدولة الاسلامية" وفي السنة الموالية لهذا الاتفاق منع المركز من المشاركة في معرض الكتاب في تونس فقط بسبب أن أحد كتبه المعروضة ورد في هامش مراجعه اسمي. وهو ما جعل الصحافة العربية تتحرج من الحديث عن أي أمر يخصنا تجنبا للتدخلات التي لا توفر جهة لا تلجأ اليها بما فيها أعلى سلطة في البلاد تعود لها الصحيفة بالنظر. ولكم تعرضت علاقة تونس مع دولة للتأزم فقط بسبب مشاركة أحدنا في ندوة انعقدت في تلك الدولة. إنه منطق السجن والسجان في كل الاحوال الذي لا يملك علاجا للتعامل مع الآخر غيرالسجن في صورة من صوره والهدف خنق الصوت المعارض داخل البلاد، وخارجها. المهم إلغاء الآخر بتغييبه في القبرأو في داموس أو وضعه في اللجام، أو تهميشه. ولقد بلغ التنسيق الامني والضغوط على الدول الصديقة للسلطة حد فرض الاقامة الجبرية التعسفية على أخوة لمدة طويلة واعتقال آخرين. وإنها لكلمة صادقة تنضح بتجربة مرة تلك التي يخوضها الاخوان الطبيبان عياد والمكي بعد قضاء اثني عشرة سنة ليجدا نفسهما في سجن أشد وطأة، أنطق الدكتورالمكي بهذه الحقيقة المرة "ليس السجين من كان في السجن إنما السجين من كان خارج السجن سجينا" ولقد جربت- أنا بنفسي- تلك المعاناة أشهرا طويلة قبل دخولي السجن منذ صائفة 1986 وحتى 9 مارس1987 تاريخ اعتقالي ثم بعد خروجي من السجن في ماي 1988 وحتى خروجي من البلاد بعد سنة تقريبا، - كما جربه الدكتور المرزوقي، و خميس كسيلة وسهام بن سدرين وخميس الشماري وصحفيون مقتدرون مثل كمال العبيدي ويجربه الآن الأستاذ نور الدين البحيري والمناضل لسعد الجوهري والبروفيسور المنصف بن سالم ، حيث كان السجن يتنقل مع الضحية أينما اتجهت، حتى جفاني الناس خوفا، وجفوتهم اشفاقا عليهم، وضاقت بي الدنيا. لقد طعمت من الأصناف السجنية الثلاثة التي أعدها نظام القمع لمعارضيه المضيق والموسع والاوسع حيث أنا الآن. والمقترح المعروض في ساعة الضيق هذه والمأزق الحاد الذي تمر به البلاد أن أنحدر من سجن أوسع الى سجن أضيق على أمل أن يسهم ذلك في إحداث تفاعلات تفضي الى خروج البلاد كلها من حكم السجن والسجان من طريق دفع الأمور الى نهاياتها. قد يكون ذلك محتملا ولكن ما ينبغي أن يحتفظ أحد منا بوهم أننا نتعامل في موضوع نظام الحكم القائم مع حالة سياسية أي مع وضع معقول، نحن للاسف إزاء عقلية أمنية تدفع البلاد دفعا الى أشد الكوارث وحالات الدمار والمسالك الهوجاء التي تعود حتى على فاعليها بالضرر الوخيم.

8- ولأن المقترح يندرج ضمن السياسات الكبرى فالتعامل معه بالقبول أو الرفض إنما يتأسس على تقدير موضوعي ودقيق لجملة عناصر المعادلة السياسية في تطورها وما يؤثر فيها من عوامل داخلية وخارجية من أجل الاجابة الدقيقة عن هذا السؤال : الى أي مدى يمكن أن تمضي السلطة في التعامل مع هذه المبادرة في صورة تحققها؟ واضح بالقطع أن التعامل السياسي معها غير وارد، وإلا لتعاملت مع شخصيات نهضوية كبرى سواء أكانوا في غياهب السجون المضيقة: رؤساء سابقين للنهضة مثل الشيخ الحبيب اللوز والدكتور صادق شورو والمهندسين حمادي الجبالي أو علي العريض والشيخ محمد العكروت أم كانوا في السجن الكبيرمثل القاضي صالح بن عبد الله أو البرفسور المنصف بن سالم أو الدكتور عبد اللطيف المكي أو الدكتور محمد بن نجمة..الخ. هي بلا شك لا تبحث بحال عمن تتفاوض معه - والحقيقة أن السلطة التونسية لم تجد نفسها منذ أن تتأسست مضطرة للتفاوض مع جهة في المجتمع التونسي - اللاهم إلا مع اتحاد الشغل أيام عزه. هي تبحث عمن تلتهم أو تستعمل. وليس لها من عرض للمخالف غير ذلك :الاحتواء أو الإفناء. وإذن فلا أوهام في توقع التعامل السياسي مع المبادرة. فما يبقى غير التعامل الامني: وهذا يمكن أن يتخذ عدة مستويات: أدناها الإقامة الجبرية: أي السجن البيتي، أو السجن المتحرك عبر الرقابة اللصيقة. وهو وإن بدا هينا لكن تكاليفه النفسية خاصة باهظة جدا لا يدرك مرارتها إلا من ابتلي بها. أما المستوى الثاني للتعامل الامني فقد يتخذ شكل القضاء، تطبيقا لثلاثة أحكام "قضائية" بالسجن المؤبد- واحد منها يكفي- فتكون النتيجة المباشرة إضافة سجين الى القائمة حتى وإن قدر أن النوعية مختلفة بعض الشيء. وهو ما يراهن عليه المقترح بسبب ما قد يفجره الحدث - ولو بعد حين- من إشكاليات للسلطة ويلفت أنظار الراي العام المحلي والدولي لفداحة "الحالة التونسية- وبالخصوص لهذه المظلمة، مما قد يدفع الى حلها!. ولربما تأتي النتائج بأكثر من ذلك خدمة لقضية الحرية في البلاد بما يقدمه حدث إعادة نصب المحكمة العسكرية - في ظرف محلي ودولي دقيق- من تفاعلات ودفع لحركة التحول الديمقراطي المعطلة بالبلاد، غير أن الحل الامني قد لا يقف عند هذا الحد مكتوف اليدين يشاهد كرة الثلج تكبر يوما بعد يوم، بل يعمدالى وسائل أخرى من الضغط على المعنيّ، قد تبلغ حد التخلص منه بطريقة سافرة، أو-ربماأفضل-خفيّة،تواريالجريمة،ولا تكشف عنها، حسما للداء من جذوره ..نحن مومنون أن الموت والحياة بيد الله "إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" ولكننا مدعوون دعوات متواترة في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" الى التفكر والتعقل والتدبر والاخذ بالاسباب ولزوم الحذر ثم المضيّ الى التنفيذ متوكلين على الله." فإذا عزمت فتوكل"

وفي الخلاصة وقبل أن أودعك وأم فاروق وكل من تفضل بتقديم هذا المقترح، شاكرا اهتمامكم وثقتكم، فإني أؤكد مجددا أن المقترح جاد، جدير بالتفكر، وبذل الوسع في الحساب والتقديرالدقيق للوقت المناسب حتى تكون عودة المهاجرين ليست جزء من المشكل ومفاقمة له، وإنما جزء من الحل. ولأن التقدير الدقيق للموقف، للوقت المناسب هو ما يتأسس عليه قرار العودة، الذي هو رغم متعلقاته الشخصية يصب نهاية في الشأن الوطني العام، ما يجعله مستحقا من كل من يهمه هذا الشأن أن يدلي فيه بالرأي والنصيحة. والله الهادي إلى سواء السبيل "إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب"

لندن في 16 محرم 1425 الموافق 6 مارس 2004



Ce site a été construit avec la technologie SPIP
TUNeZINE.com est enregistré chez gandi et hébergé par GlobeNet
CopyLeft TUNeZINE 2001-2004