|
|
|
2004-08-3 |
رسالة مفتوحة إلى الأساتذة : أحمد نجيب الشابي ومحمد القوماني وعبد اللطيف الهرماسي
|
قبل البدء أودّ أن أوجّه إليكم تحيّة تقدير و اعتراف لمسيرتكم الوطنية. لقد ساهمتم مع إخوانكم في فتح نوافذ أمل في بلاد ضاقت بأبنائها حتى اختنقوا. في حقيقة الأمر كانت رغبتي شديدة في التوجّه إلى مناضلي و مناضلات الحزب الديمقراطي التقدّمي الذين نتقاسم معهم هموما عديدة لعلّ أهمّها إحلال الديمقراطية في ربوع تونس. ولكنّني خيّرت في آخر الأمر أن أخاطب من أعرفهم شخصيا وجمعتني بهم ساعات عمل و تفكير و مودّة في بيتي أو في الفضاءات العامّة أو عبر الهاتف، حتى يكون الحديث أيضا حديث قلوب و ليس عقول فحسب. سادتي الأفاضل، تستعدّ بلادنا لاختبار أو قل ابتلاء جديد باقتراب موعد الانتخابات الرئاسية و التشريعية موفّى أكتوبر من هذا العام. المواقف الأخيرة الصادرة عن الديمقراطي التقدّمي مؤسّسات كانت أو أفراد تؤكّد نيتكم المشاركة في هذه الانتخابات تحت شعار ما أسميتموه ب"المشاركة الاحتجاجية". لن أجادلكم هذا الأمر فلعلّي قد أفاجئكم إذا أسررت إليكم أنّني من الّذين يرون في هذا الخيار بعض منافع قد تتحوّل إلى مكاسب حقيقية لو ترتقي فاعلية الأداء السياسي إلى مستوى ذكاء الطرح النظري. وقد سبق لي أن عبّرت أخيرا عن اهتمامي بهذا الموضوع عند حديثي مع مسؤول حزب معارض كان هو الآخر يقاسمني ذات الاهتمام. ولكنّ حماسه فتر كما فتر حماسي عند أوّل احتكاك بواقع له قوانينه و ضروراته. إنّ السياسة هي فقه الواقع، وهي أيضا فن الممكن، وهي بالأساس "تحويل اللازم إلى ممكن"... ولازم اليوم أن يتوضّح خيار المعارضة حتّى يتوضّح خطابها. فليس من الحكمة أن نطلب من التونسيين أن ينخرطوا في معركتنا ونحن لا ندري أيّ معركة نخوض. إن فاقد الشيء لا يعطيه. والاقتناع قبل الإقناع. فهلاّ اقتنعنا وهلاّ امتلكنا أزمّة أمورنا قبل أن نتوجّه إلى من ملّوا الضّباب و أعياهم الالتباس. سادتي الأعزّاء لسنا نخوض "انتخابات أوّلية" لتعيين من يمثّل المعارضة الوطنية في هذا الموعد الهام. ولسنا أيضا في حاجة إلى إقناع شعبنا بجدوى التّعدّديّة من خلال تعدّد أصوات الاحتجاج و ممثّليه. نحن نحتاج اليوم إلى توسيع دائرة الرّفض و الاحتجاج ونشر الوعي بضرورة تغيير "التّغيير" حتّى يشعر كلّ مواطن أنّه ليس وحيدا في هذه المعركة، أنّه جزء من كلّ بدأ يتحسّس بثبات طريقه نحو الكرامة و الحرّيّة. خيار "المشاركة الاحتجاجية" وإن كنت أنزّه أصحابه عن كلّ محاولة تآمر على مصداقيّة المعارضة أو تقديم خدمة لسلطة أشدّ ما تحتاج الآن إلى ديكور، فإنّه صار اليوم العقبة الأخيرة أمام شبه إجماع المعارضة الصّادقة على ضرورة مقاطعة هذه الانتخابات مقاطعة صارمة و فاعلة. فالمؤتمر من أجل الجمهوريّة، و حزب العمّال الشّيوعي، و التّكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحريّات (انظر البيان الأخير الصّادر عن كوادر الحزب بتاريخ 18 جويلية)، و حركة النهضة ( عبر توقيع بعض مناضليها في عريضة المقاطعة، وأيضا عبر تصريحات رئيسها: انظر مقال الأستاذ راشد الغنّوشي " خرافة السياسة في تونس" بتاريخ غرة أوت الجاري) و حركة الديمقراطيّين الاشتراكيّين/ الفصيل الذي يتزعّمه الأستاذ أحمد الخصخوصي هو اقرب للمقاطعة بحكم الوضعيّة الاستثنائيّة التي تعيشها هذه المجموعة، والعديد من الممثّلين عن المجتمع المدني...كلّ هؤلاء اختاروا المقاطعة وعدم المشاركة و لو احتجاجيّا في انتخابات تجمع كلّ الأطراف على افتقارها للشّروط القانونيّة و الشّرعيّة و السّياسيّة العامّة لإنجازها. بين دعوة إلى مقاطعة شقّت طريقها و مشاركة سمّاها أصحابها ب"المبادرة الدّيمقراطيّة" كنتم أوّل من نبّه إلى مخاطرها، تبدو وضعيّة الدّيمقراطي التّقدّمي في حرج شديد. بين المقاطعة وبين المشاركة اخترتم حلّا لن يزيد الوضع إلّا تعقيدا في وقت تحتاج فيه بلادنا إلى فرز حقيقي. أتوجّه إليكم أيّها الأصدقاء ومن خلالكم إلى كافّة مناضلي الحزب الدّيمقراطي التّقدّمي بنداء حار حتّى تلتحقوا بإخوانكم ورفاق دربكم لتنظّموا وإيّاهم المقاطعة و تجعلوا منها منطلقا لمعركة حاسمة من أجل الحرّيّة و الكرامة و الدّيمقراطيّة الحقيقيّة. أمامنا اليوم أصدقائي فرصة لتخييب آمال التّونسيّين مرّة أخرى أو لإعادة الثّقة إليهم في السياسة وفي المعارضة. فلنرسم لندوة سبتمبر القادم طموحا حقيقيّا ولنجعلها محطّة تاريخيّة للمصالحة الوطنيّة تقطع مع الإقصاء و التّهميش و تكون منطلقا لمعركة طال شوق التونسيّين إليها.
باريس في 2 أوت 2004 د. شكري الحمروني |
|
|