|
أضع بين أيديكم نص الرد للأستاذ احمد نجيب الشابي على الرسالة المفتوحة التي كنت كتبتها إلى بعض الأصدقاء في التقدمي الديمقراطي داعيا إياهم إلى الالتحاق بالمقاطعة النشيطة للانتخابات نظرا لأهميتها في التعريف بموقف هذا الحزب من قضية المشاركة و بتفويض من صاحبها ارتأينا نشرها حتى تكون إثراء للحوار ولا يفوتني أن أعتذر للأستاذ الشابي عن هذا التأخير في النشر لتغيبي لبعض الأيام.
شكري الحمروني
الصديق العزيز شكري الحمروني
إطلعت هذا الصباح على رسالتك المفتوحة وإني أشكر لك نبيل العواطف التي تضمنتها والتي تثقل كاهلنا وتجعلنا نتمنى على الله أن نكون عند حسن الظن وأود بعد هذا الشكر الصادق أن أبدي لك بصفة شخصية وغير رسمية بعض الملاحظات التي أوحت لي بها رسالتك.
1 - لا شك أن انفراد الديمقراطي التقدمي بموقف المشاركة الاحتجاجية لا يفرحنا كثيرا لأن رهاننا وأملنا كان أن تتوحد حول هذا الموقف أغلب القوى وأن يؤسس لجبهة سياسية. ولكن ولئن كانت الأمة لا تجمع على ضلالة فإن موقف المقاطعة لا تبرره الوضعية السياسية في بلادنا التي تتطلب في ظروف انسحاب الشعب من ساحة الفعل السياسي أن تتحلى النخبة السياسية بروح المبادرة وأن تستغل كل الإمكانيات المتاحة لرفع صوتها وإبلاغه إلى الناس.
2 - أراك تجيب بأن حملة لمقاطعة انتخابات لا تتوفر فيها أدنى شروط النزاهة يمكن أن تكون خير سبيل لتوحيد النخبة وتعبئتها. وهنا بالذات يكمن مربط الفرس ذلك أن المقاطعين مطالبين اليوم بأن يحولوا أقوالهم إلى ممارسات وأن يثبتوا على أرض الواقع تفوق اختيارهم على الاختيارات الأخرى وأكاد أجزم بان هذا من قبيل التمني الذي لن يتحقق في الواقع لاستشراء حالة الإحباط في أوساط النخب بحيث تصبح المقاطعة أقرب إلى الاستقالة منها إلى الفعل.
3 - إن الظرف السياسي هذا العام أحسن في رأيي بكثير مما كان عليه سنة 1999. ففي هذا العام يتجه المبعدون السياسيون إلى العودة بعدما كانوا يضطرون إلى الهجرة واليوم تتسع استفاقة المجتمع المدني لتشمل القضاة بعد المحامين والنقابيين والرابطيين وبرزت احزاب مستقلة واصبح بالإمكان لجريدة الموقف أن تنشر شهادات لنساء كن يطلقن أزواجهن في ذلك الوقت درء للضغوط. الشيء الذي تغير هو التعب الذي أصاب النشطاء : أين الدور التعبوي الذي كانت تضطلع زمرة من النساء الديمقراطيات ؟ أين المجلس الوطني للحريات ؟ أين تحركات المستقلين ؟ أين كل ذلك ؟ لا ترى اليوم إلا المرارة والانقسامات حتى أن إضرابات الجوع لم تعد توحد الناس. المشكلة إذن في الفاعلين السياسيين الذين كانوا يعولون على تراجع الحكومة في أفق انتخابات 2004 والذين ألقوا المنديل بعد استفتاء 2002 فأحدث انسحابهم فراغا مفزعا بل أن انقساماتهم أدت بهم إلى فقدان قطاعات حيوية من مثل جمعية المحامين الشبان والهيئة الوطنية للمحامين ولم يستخلصوا العبرة بعد.
4 - لا زلت على اقتناع أنه كان بالإمكان للمعارضة أن تشكل جبهة انتخابية هذا العام وأن تحرج الحكم وتخوض ضده نضالا ميدانيا فتدافع عن الحق وتشهر بالتعدي على الشرعية الدستورية وتتحدث عن قضايا الناس وهمومهم الاجتماعية واهتماماتهم الثقافية وتلفت انتباه العالم إلى وجودها لأن الشعور اليوم هو أنه لا وجود لمعارضة في تونس وهو أمر لا يجافي الواقع كثيرا لأن المعارضة خصومة مستمرة مع الحكومة من أجل التغيير أو لا تكون.
5 - إني أعمل في الحقل السياسي منذ 40 سنة وأعلم أن سوء فهم المواقف يمكن أن يسبب بعض المصاعب لكني تعلمت أيضا أن الثبات على المواقف هي التي تصنع الصدقية وإني أشكر الله على ما نلقاه من احترام أينما اتجهنا لقاء المواقف التي تمسكنا بها رغما عن تشكيك المنافسين وهو أمر مفهوم ولئن كان مبعثا للأسف.
وتقبل أخي أحر التحية وأزكى السلام وتجد طي هذا نص بيان أصدرناه اليوم بمناسبة ذكرى 5 أوت 1947 راجيا أن أقرأ لك أو أن أسمعك.
أخوك أحمد نجيب الشابي
تونس في 5 أوت 2004
بيان بمناسبة ذكرى أحداث 5 أوت 1947
في مثل هذا اليوم من عام 1947 سقط العشرات من شهداء الحركة النقابية والعمالية التونسية في مدينة صفاقس دفاعا عن الحرية والكرامة ومثلت مواجهتهم مع قوات المستعمر ميلاد الاتحاد العام التونسي للشغل كحركة اجتماعية نضالية أشهرا قليلة بعد تأسيسه على يد الشهيد فرحات حشاد.
في مثل هذا اليوم استمات آلاف العمال المضربين في الدفاع عن حقوقهم الاجتماعية المشروعة وعن منظمتهم النقابية الوليدة والتف الشعب التونسي من حولهم بكافة فئاته وهيئاته وأجبر الدوائر الاستعمارية على التقهقر والقبول بالاتحاد العام التونسي للشغل طرفا مفاوضا في القضايا الاجتماعية قبل أن يجبرها على القبول في غضون سنوات قليلة بالحركة الوطنية طرفا مفاوضا من أجل استقلال البلاد.
وإذ ينحني الحزب الديمقراطي التقدمي في خشوع أمام أرواح شهداء 5 أوت و يستذكر هذه الوقائع ليستلهم من روحها معاني الفداء والعطاء فهو يتجه بالتحية إلى كل العاملين في الحقل الاجتماعي من نقابيين وناشطين سياسيين وحقوقيين وفي مقدمتهم مناضلو الاتحاد العام التونسي للشغل مقدرا عاليا ما يبذلونه من جهد وما يقدمونه من تضحية لتبقى راية العدل والتقدم الاجتماعي خفاقة في بلادنا.
أيها العمال، أيها النقابيون ، أيها المناضلون في الحقل الاجتماعي
يحيي الشعب التونسي اليوم ذكرى 5 أوت الخالدة في ظروف تتسم بتدهور الأوضاع المعيشية لعامة الناس وبضياع حقوقهم السياسية.
ففي هذا الأسبوع بالذات وللمرة الثانية منذ بداية العام الحالي أقدمت الحكومة على الزيادة في سعر البنزين والغاز وكافة المحروقات لتزيد في التهاب الأسعار وخاصة منها أسعار المواد الغذائية التي ما فتئت تتصاعد مستهدفة الفئات الكادحة و الشرائح الوسطى من المجتمع. وفي خطوة لامتصاص الغضب الاجتماعي قررت الحكومة في اليوم الموالي زيادات طفيفة في جرايات الفئات من ذوي الدخل الأدنى لا تكاد تمثل شيئا مما فقدوه على مر الأشهر الماضية من قدرتهم الشرائية.
إن الزيادات المقررة في أسعار المحروقات وأسعار المواد الغذائية ليست سوى أحد مظاهر الأزمة الاقتصادية التي تردت فيها البلاد والتي اختارت الحكومة تحميل كامل أعبائها للفئات الشعبية الكادحة.
إن الحكومة تواجه تناقصا متزايدا في مداخيل ميزانيتها بسبب تفكيك الحواجز القمرقية كما تشهد نقصا في مداخيلها غير الجبائية بسبب سياسة الخصخصة ونضوب مخزون البلاد من البترول وقد اختارت الحكومة تحميل الفئات الضعيفة عبئ هذا النقص بالضغط على كتلة الأجور وعلى النفقات الاجتماعية وبرفع الدعم عن المواد الغذائية والزيادة في سعر المحروقات وتشديد الضغط الجبائي وخاصة منه الجباية غير المباشرة المنصبة على الاستهلاك.
والسياسة الجبائية ليست بدورها سوى وسيلة لمواجهة المصاعب الاقتصادية والتي تتمثل بالخصوص في أزمة التشغيل وعجز نسب النمو الحالية عن امتصاص البطالة فضلا عن تشغيل حاملي الشهادات العليا أو تحقيق زيادة في الدخل الفردي تقربنا من مستوى عيش البلدان التي كسبت رهان النمو. كما تتمثل الأزمة في الأخطار التي تواجه قطاع النسيج والتي تهدد بفقدان ما يربو عن مائة ألف موطن شغل و تتمثل أيضا في ما يعرفه قطاع السياحة من ركود ليس لأسباب ظرفية وحسب وإنما وبالخصوص لضعف مردودية القطاع وحجم الديون التي يرزح تحتها والتي ساهمت بدورها في أزمة النظام البنكي. وتتجلى أزمة النظام البنكي من جهتها في تفاقم القروض الميؤوس من استخلاصها وتناقص الأرصدة اللازمة لتغطيتها وما ينجم عن ذلك من تدهور لمعدلات تغطية الخطر الأمر الذي انتهى ببعض البنوك التونسية إلى العجز عن تأمين المعدلات الدنيا المستوجبة حسب المواصفات الدولية لتغطية الخطر، كل ذلك في ظرف تتهيأ فيه البلاد إلى تحرير حركة رأس المال. ومن جهة أخرى جنحت الحكومة منذ مدة إلى تعويم الدينار للتغلب على مصاعب التصدير عوضا عن الرفع من مستوى الإنتاجية والبحث عن قطاعات جديدة للاستثمار.
إن المعالجة السليمة لكل أبعاد هذه الأزمة لا تكون عن طريق تحميل الفئات الضعيفة أعباءها المالية والاجتماعية وإنما عن طريق تحقيق نسب أعلى من النمو وما يقتضي ذلك من رفع في مستوى الاستثمار ولا سيما الاستثمار الخاص وتوجيهه إلى قطاعات جديدة والرفع في إنتاجية العمل وإصلاح النظام البنكي والتحسين من جودة التعليم والتكوين وملاءمة النظام التعليمي لحاجيات النظام الاقتصادي وتشجيع المؤسسات الصغرى والمتوسطة على الظهور والنمو. إن النشاط الاقتصادي وحده هو القادر على الرفع من مستوى الدخل وعلى رفع تحديات الاندماج في السوق الخارجية وهو القادر وحده على توفير المداخيل القارة لميزانية الدولة وتحقيق التوازن لصناديق الضمان الاجتماعي والحد من المديونية العمومية. وهذا النشاط متوقف بدوره على توفير مناخ ملائم للاستثمار وهو المناخ الذي لن يتوفر دون تحقيق الشفافية ومقاومة الفساد وضمان تكافؤ الفرص في المعاملات. وهل من طريق لتوفير مثل هذا المناخ دون تحقيق إصلاحات سياسية وفي مقدمتها ضمان حرية الإعلام والصحافة واستقلال القضاء.
أيها العمال، أيها النقابيون، أيها المناضلون في الحقل الاجتماعي
إن التقدم الاجتماعي كان ولا زال رهنا بالإصلاح السياسي. فكما كان استقلال البلاد شرطا لكل ما تحقق من تقدم اجتماعي في ميدان التعليم والتشغيل والتغطية الصحية فإن العمال وسائر الكادحين لن يتحرروا من عبئ الأزمة الاجتماعية التي تعصف بهم اليوم ولن يحققوا شروط الحياة الكريمة إلا إذا اصبحوا طرفا في صياغة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد ولن يتأتى لهم ذلك إلا إذا أصبحوا مواطنين يتمتعون بكامل حقوقهم السياسية.
وفي ظرف انتخابي كالذي نعيشه هذه الأيام وعوض أن تعمل الحكومة على توسيع دائرة المشاركة السياسية بإقرار حرية التعبير والاجتماع والتجمع وتأسيس الأحزاب وإصلاح النظام الانتخابي بما يضمن حق الترشح وحرية الانتخاب وتأمين حياد الإدارة وإطلاق سراح المساجين وعودة المغتربين، عوضا عن كل ذلك نراها تسن على عجل القوانين وتقر التعديلات الدستورية التي من شأنها إحكام انغلاق النظام السياسي ومصادرة حق الترشح إلى رئاسة الجمهورية وفتح الباب في وجه رئاسة جديدة مدى الحياة وتأبيد احتكار الحياة السياسية من طرف الحزب الحاكم.
وفي الوقت الذي تفرض فيه مثل هذه السياسات يقظة سياسية ودفاعا عن الحق وتمسكا به نشهد على العكس من ذلك تفشي حالة من الإحباط العام والاستقالة الجماعية التي لا يمكن أن تؤسس لتغيير أو إصلاح.
إن الحزب الديمقراطي التقدمي وإيمانا منه بأن التغيير والإصلاح لا يكونان إلا بالمثابرة والعمل والاعتماد على النفس فقد قرر التمسك بحقوق الشعب التونسي كافة والدفاع عنها بمناسبة الاستحقاق السياسي القادم رغما عن كل ما أقرته الحكومة من إجراءات لإفراغ الانتخابات القادمة من رهانها معتقدا بأنه بمثل هذا العمل يمكنه فقط أن يسهم في توسيع حالة الاستفاقة التي تشهدها بلادنا منذ سنين والتي شملت القضاة بعد المحامين والعاملين في الحقل الحقوقي والنقابي والتي فرضت مساحات جديدة من حرية التعبير والعمل السياسي.
وفي هذا اليوم الأغر ووفاء منه لأرواح الشهداء وتمسكا منه بالأهداف التي قضوا من أجلها ينادي الحزب الديمقراطي التقدمي كافة المواطنين إلى الخروج عن حالة الاستقالة السياسية والتمسك بالحق والدفاع عنه والالتفاف وراء القائمات الديمقراطية التي سوف يتقدم بها في كافة الدوائر للذود عن سيادة الشعب وفتح الطريق في وجهها حتى تعرف بلادنا النهضة والازدهار والاستقرار.
عاشت تونس حرة مستقلة
عاش شعبها سيدا مهابا
عاش كفاح الطبقة العاملة من أجل الكرامة والعدل
تونس في 5 أوت 2004
عن المكتب السياسي، الأمين العام
أحمد نجيب الشابي |