|
كشفنا في عدد سابق ما رأيناه من مظاهر المكر والخديعة في قانوني مكافحة الإرهاب وحماية الأخلاق الحميدة اللذين وجد مجلس نواب الحزب الحاكم وقتا كافيا لـ"مناقشتهما" وإصدارهما. وملخص ما بيناه أن المستهدف الرئيسي في النهاية من خلال القانون الأول هو الكفاح الديمقراطي والوطني والحركة التقدمية وتعبيراتها عامة، وبالنسبة إلى الثاني هو الشباب (العاطل، الضائع، المستلب) وهو أيضا من يراد تشويهه ومحاصرته وعزله أخلاقيا.
ولم تمض مدة قصيرة على صدور قانون ترضية الأمريكان وقانون مغازلة القوى المحافظة حتى ظهر قانون "حماية المعطيات الشخصية" وبذلك تم استكمال مثلث قوانين زجرية جاءت لتعزز ترسانة التشريعات القمعية المانعة للحريات، تحت عناوين وأغطية توهم لأول وهلة بعكس ذلك، فمن مبدئيا لا يعارض الإرهاب ولا يحمد الأخلاق الحميدة ولا يرغب في صيانة المعطيات الشخصية؟ لكن المتمعن في نصوص هذه القوانين، والمدقق لفصولها لا يصعب عليه أن يقف على ما تضمنته من قيود واشتراطات واستثناءات ومن خلط وتعميم يترك الباب واسعا أمام توجيه تلك القوانين وجهة ضرب الحريات الفردية والعامة، وتجريم القوى والتعبيرات المعارضة، وهو الأمر الذي دعا حتى بعض ممثلي الأحزاب الإدارية أثناء عرض "قانون حماية المعطيات الشخصية" إلى التعبير عن تخوفاتهم. فقد ترك القانون مداخل عديدة إلى انتهاك المعطيات الشخصية بذريعة "مصلحة المعني أو مصلحة المجتمع" و"الغايات المشروعة والمحددة" و"الأحوال الاستثنائية" وأوكل إلى "السلط العمومية" حق الاطلاع على المعطيات الشخصية، وإلى "الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية" حق الترخيص بذلك. وطبيعي أن نظاما غير ديمقراطي لا يمكن أن تحظى "سلطته العمومية" بالثقة ولا لأية هيئة يكوّنها أن تكون ممثلة وذات مصداقية.
ويكشف هذا القانون عن نوايا مصمميه الحقيقية بمثل ما جاء فيه من "تحجير نقل المعطيات إلى الخارج بصفة مطلقة إذا كان من شأنه المساس بأمن البلاد أو بمصالحها الحيوية". وهنا مربط النعامة كما يقال! فلا يخفى عن أحد أن الذي أحرج الطغاة والطغم المستبدة ومافيات النهب والفساد هو نشر غسيلهم وتعرية أفعالهم لدى الرأي العام الخارجي ولدى المنظمات الدولية والجهات التي يدينون لها بالتبعية والولاء. وقد ظل هاجس كشفهم وفضحهم يؤرقهم على الدوام، وتفاقم ذلك مع تقنيات الاتصال والإعلام الحديثة، ومع وقوع هذه التقنيات في حوزة ضحاياهم أو على مرأى من أبصارهم.
وقد جاء هذا القانون ليحمي مجرمي القمع والتعذيب والفساد، ويلجم ضحاياهم بحرمانهم من حق الصراخ والتشهير والبحث عن النجدة خارج حدود القبر. لكن الظالم المستبدّ، المحتكر للأخضر واليابس، فاته أن العالم يدخل مرحلة ما عاد فيها مكان لاختباء الطغاة، وأقنعة قادرة على إخفاء وجوههم.
إن نظاما قمعيا غاشما كالنظام التونسي، لا يحق له أن يتحدث عن حماية أي شيء إلا حماية اللصوص والنهّابة والجلادين والمفسدين. ولا أحد ينطلي عليه بهتان مهندسي الأكاذيب، ولا حلّ إلا في وضع حدّ للدكتاتورية وإنهاء المهزلة. لا حلّ إلا بإقرار حق المواطنة ورفع الكابوس ولن يتأتى ذلك إلا بتغييرات جذرية على المشهد السياسي والمجتمعي، وهي آتية لا محالة، شاء الطغاة أم أبوا!
إيقاف المهزلة! إيقاف المهزلة من أجل وضع حد لاغتصاب الدكتاتورية الدستورية النوفمبرية إرادة الشعب: هذا هو الشعار الذي يطرحه حزب العمال اليوم في مواجهة المهزلة الانتخابية الرئاسية والتشريعية التي يعد لها بن علي وطغمته. فالشعب التونسي لا يستحق هذه المعاملة وهو حقيق بأن يكون له رأي في القضايا الجوهرية التي تهمه وتهم بلاده وكلمة في اختيار المسؤولين في مختلف مؤسسات الدولة وهيئاتها، بل إن المفروض، من وجهة نظر ديمقراطية متماسكة، أن لا يكون هناك رأي غير رأيه وكلمة غير كلمته في إدارة الشأن العام للبلاد. وعلى هذا الأساس من غير المعقول أن تبقى الأمور على ما هي عليه اليوم، فتستمر الطغمة الدستورية النوفمبرية في حرمان الشعب من أبسط حقوقه وتعطيل نهوض الوطن وتقدمه على درب الحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية. إن مسؤولية القوى الثورية والديمقراطية، في الوضع الحالي، جسيمة. ولا يمكن أن تحول صعوبة الظروف (حالة الجزر، القمع الدائم والشامل إلخ..) دون تحمل هذه المسؤولية. فهي مدعوة بشكل مباشر ودون أي تأخير إلى أن تشرح للشعب حقيقة المهزلة الانتخابية القادمة وتبين له افتقادها أدنى الشروط الديمقراطية وتدعوه إلى مقاطعتها. [1]
حزب العمال الشيوعي التونسي مارس 1999
[1] مقتطف من نص بعنوان: "الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة (أكتوبر 1999): مهزلة جديدة على القوى الديمقراطية أن توقفها"
صوت الشعب - طبعة إلكترونية اللسان المركزي لحزب العمال الشيوعي التونسي سلسلة جديدة - العـدد 231 - 13 سبتمبر 2004 موقع حزب العمال الشيوعي التونسي - للمراسلة |