|
|
ذكريات من أيام الثانوي
|
|

كان أستاذنا في مادة التربية الإسلامية بمعهد "ابن شرف" بتونس العاصمة احد ابرز قياديي حركة الاتجاه الإسلامي في بداية الثمانينات، مبروك الزرن، وإن كانت لا تجوز على الميت إلا الرحمة حسب تقاليدنا إلا أني مضطر للكتابة عنه بوصفه الوحيد من تلك القيادات الذي أعرفه شخصيا و مباشرة إلى جانب قياداتهم الطلابية بالمركب الجامعي فيما بعد. كانت علاقتي به كتلميذ و أستاذ متوترة بعض الشيء، لا لشيء سوى حبي لمناقشة كل ما كان يحاول تمريره لنا من أفكار خارج نطاق الدرس و لم يكن يستسيغ ذلك بالمرة. و كان أبرز ما علمه لنا إن أعدل شريعة عرفتها البشرية قديما هي شريعة حامورابي و بعد ذلك نزلت الشريعة الإسلامية كأعدل الشرائع إطلاقا وهكذا ألغى بجرة قلم كل الأديان السماوية الأخرى. وعلى كل حال فالدين عند الله الإسلام و لا يدخل الجنة إلا المسلمون فمسالة الديانات الأخرى لا تطرح أصلا فهم جميعا كفار. و كان يركز بصفة عجيبة على أن الصلاة هي أول غربال لتصفية أهل الجنة بمعنى إذا لم تصلي فلن ترى الجنة وليس هذا مهما بل الأهم تأكيده إن الصلاة يجب أن تكون في المسجد إلا ما ندر، وهنا بيت القصيد فالمساجد في تلك الفترة كانت بمثابة الشعب المهنية لحركة الاتجاه الإسلامي، كانت مراكز تجنيد و غسيل مخ بأتم معنى الكلمة، فمثلا كان يخبرنا في الفصل إن المجاهدين الأفغان كانت لهم معجزات يرويها القادمون من أفغانستان إذ كان المجاهد منهم يأخذ حفنة من تراب و يتلو عليها آيات من القرآن و يرمي بها الدبابة السوفيتية فيفجرها. وكان القادمون من أفغانستان يطوفون بالمساجد فعلا مستظهرين بجوازات سفرهم ليثبتوا أنهم كانوا هناك ثم يلقون الدروس. ولكم أن تتصوروا بعد ذلك أثر هذه الدروس على تلاميذ في سن المراهقة بعيدا عن أي رقابة أبوية أو تربوية بل بالعكس بتشجيع من بعض أساتذتهم. لا أنكر أنني لم اشك كثيرا بتلك الروايات فقد تعودنا أن نصدق أساتذتنا و لكني ناقشته يوما إن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، فكان نصيبي الطرد. و اليوم حين أتذكر تلك السنين كنت أتمنى لو كان لنا وقتها علم بمعاني حقوق الإنسان و الديمقراطية لنقارنها من حيث العدل مع شريعة حامورابي و مع الشريعة الإسلامية، اعتقد أني ساعتها كنت سأطرد طردا نهائيا. كانت دروسه و بالطريقة تلك تجند العديد في حركته و لكن أيضا تدعونا و كنا كثيرين إلى وضع أكثر من علامة استفهام حول مادة التربية الإسلامية. على فكرة كنا نقول إننا نصلي حين نكون في حصة التربية الدينية لنضمن أعدادا جيدة و كانت تلك أولى دروس النفاق التي تعلمناها. وإرتحنا بعد ذلك من تلك المادة ولم يتجدد الصدام إلا حين دراستنا بالمركب الجامعي حيث وجدنا زملائنا الذين كانوا يتابعون دروس المساجد واقفين بعصيّهم لمنعنا من دخول قاعات المحاضرات حين يعن لهم إعلان الإضراب ولذلك حكاية أخرى... |
عمدة 17-01-2005 |
|
|