|
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والتي يكتفي المهتمون بالشأن العام وحتى عامة القوم تسميتها الرابطة دون إضافة الباقي نظرا لعراقتها و مدى التصاقها بالمشهد الحقوقي و السياسي مهددة علنا هذه المرة بالزوال و الاضمحلال.
قد يتبادر لذهن البعض أن هذا التهديد متأتي من كون أهالي تونس لم يعودوا بحاجة لخدماتها لشدة غيرة نظام سبعة نوفمبر على حقوق المواطن بين ظهرانينا أو لكونها تلتزم الصمت حيال انتهاكات حقوق الفرد و الجماعة أو بسبب انشقاق داخلي، لكن الواقع أمر وأدهى من ذلك بكثير : نظام سبعة نوفمبر قرر التخلص و بكل بساطة من كل صوت قادر على تشويش بوق الدعاية الرسمي و الإطاحة الرابطة يظل أولى اهتماماته.
القلعة الصامدة:
خور خطة الاختراق و الاحتواء، أو ما أصبح دارجا تسميته بالعروض العمومية للشراء (Offre Publique d’Achat)، كون السلطة عجزت عن زرع "مرتزقة" وسطها بالشكل الذي يتيح لها السيطرة على سدة القرار بلعبة الانتخاب و صناديقها وهو ما جعلها تحاصر هذه القلعة الصامدة على كل الأصعدة.
فشل السلطة في النيل من تمسك المرابطين (منخرطي الرابطة) بالذود عن حقوق الإنسان رغم كل الانتهاكات و الهرسلة المتواصلة التي يرزح تحتها منذ عقود أكثرهم.
السلطة عاجزة عن "اقتحام" الرابطة بطرق قانونية كون جميع الملاحظين باتوا عن اقتناع أن السلطة القضائية رهينة بيد السلطة القضائية و أن كل حكم زجري صادر عن المحاكم يخدم الرابطة أكثر مما يضيرها.
السلطة لاقت و للأسف الشديد يد المساعدة الغير المباشرة و اللامنتظرة من بعض أطياف المعارضة الذين يعيبون على الرابطة أداءها، بعد عجزهم الزج بها في معترك العمل السياسي الذي يتناقض مع أهداف الرابطة المعلنة وحرصها المفهوم على استقلاليتها، و هو ما شجع النظام القائم على التمادي في غيه أكثر.
المستجدات الأخيرة على الساحة:
لعبة العصا و الجزرة بلغت حدا بات فيه من المستحيل على الرابطة القيام بواجبها :
الهرسلة اليومية التي تتعرض لها (قضايا عدلية، ثلب، قرصنة، منع، حجز...) ، تعددت في الآونة الأخيرة بشكل أصبحت فيه الرابطة غير قادرة على مجاراة هذا الكم الهائل من استنزاف الطاقات و تبديد الجهود. البارحة فقط و أثناء انعقاد ندوة حول الهوة الرقمية طل ركب عدل منفذ (ربما من داخل الهوة السحيقة) ليعلم الرابطة بقضية استعجاليه أخرى ولن أبالغ إن قلت أن الخبر نزل كالصاعقة على الهيئة المديرة ليس بسبب القضية في حد ذاتها و لكن تلاوة أسماء الشاكيين سبب مرارة قاسية تضاهي طعنة غادرة في الظهر.
المصالح المعنية (باغتيال الرابطة و بأشياء أخرى أكثر غرابة) ترفض تمكينها من الدعم المادي الذي هو حق مشروع لها بتعلات واهية و متناقضة في الآن نفسه كون قانون الجمعيات الذي يستند إليه أهل الحل و الربط لا ينطبق على الرابطة أصلا و الأغرب من ذلك أن جمعيات حكومية أخرى مثل إتحاد المرأة يتلقى دعما مباشرا من الكونغرس الأمريكي.
الرابطة بحاجة لأموال لتسديد مصاريف تسييرها اليومي، و التي من المفروض أن تسدد من الخزينة العامة للدولة لو كانت الدولة جادة حقا في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، عوض أن تضطر الرابطة لالتماس دعم خارجي، كونها تخدم الصالح العام أكثر بكثير من بالوعة الجباية المسماة وكالة الاتصال الخارجي.
متفرقات:
الرابطة أدت واجبها بشكل ملفت للانتباه في الفترة الأخيرة (تقارير سنوية، ندوات، بيانات...) بل قل هي تدفع ضريبة نجاحها و هو ما أجج نقمة النظام الحاكم و جعله يشدد الخناق عليها أكثر.
الرابطة مكرهة على تسديد كراء سنة كاملة مسبقا لمقرها الرئيسي بالعمران والذي لم تعثر عليه إلا بشق الأنفس بسبب مماطلات السلطة.
أصحاب المحلات ينتظرون أيضا معلوم كراء فروع الرابطة العشرة الأخرى وربما يحدو الكثير أمل في عجزها على السداد للتخلص من هذه التركة الثقيلة جدا.
أعضاء الهيئة المديرة وجدوا عناء كبيرا البارحة لطلب يد المساعدة من الجميع و خاصة من الناحية المادية و الأمل كل الأمل أن يلتف الجميع حول هذا المكسب الوطني حالا عوض أن يشنفوا أسماعنا لاحقا ببكائهم على الأطلال كما جرت العادة.
زهير اليحياوي
عيد الشغل 2004 |