|
|
برغوثي فلسطين و "براغثة" تونس
|
|
بسم الله الرحمان الرحيم

زفت لنا قناة الجزيرة نبأ مغادرة المناضل الكبير مروان البرغوثي السجن الانفرادي ليلتحق بإخوانه في الحبس الجماعي، مروان هذا الذي تتهمه إسرائيل بالوقوف وراء مقتل عدد من الإسرائيليين فأصدرت عليه خمسة أحكام بالإعدام، و مع ذلك يغادر السجن الانفرادي المضيق و لم يمض على إيقافه غير عام و نصف، كما أنه لم يخف قط تأييده للمقاومة بل دعا إليها في قاعة المحكمة و من سجنه، و الذي أربك ترشحه للرئاسة الفلسطينية حركة فتح و قيادتها فأرسلت إليه المبعوث إثر المبعوث لصرفه عن الترشح، و ما يسرت إسرائيل عملية الوصول إليه في قعر زنزانته و في أكثر من مناسبة إلا لإدراكها الحرج الكبير الذي يمثله مروان في منافسة انتخابية نزيهة للمرشح الذي لم تخف مراهنتها عليه من ناحية أولى و من ناحية ثانية فإنها بفعلها ذاك تحول و الزخم النضالي الكبير الذي يمد به خط المقاومة بترشحه فقط فكيف يكون الأمر إن حظي بثقة الناخبين الفلسطينيين. لا شك أن إخراج مروان من السجن المضيق لا يعتبر فضلا و لا منة، بل يعتبر إيواؤه هناك انتهاك لحقوقه كسجين و تعد عليها، و ما خروجه من العزلة و التحاقه بإخوانه إلا عودة لروح العهود و المواثيق الدولية و منطقها، وهي التي لا تقر العزلة بل تعتبرها عقوبة جسدية مهينة و فظيعة. و رغم أن العزلة التي أجبر عليها مروان منافية لما ورد في هذه العهود والمواثيق فإنها لم تكن بقرار من إدارة السجون الإسرائيلية بل صادرة عن سلطة قضائية تراجع قرارها في أوقات معلومة و ذلك بقطع النظر عن عدالة هذه المحكمة من عدمه. أما في مقاربتنا التونسية الفذة التي لا تحسن غير الالتفاف على كل ما من شانه أن يعيد شيئا من الكرامة للمواطن ويضمن له هامشا من الحقوق التي يتمتع بها الإفريقي في كينيا و جزر القمر و التشاد و الرواندة و غيرهم، فإنهم لا يتورعون عن سن جملة من القوانين ظاهرها تكريس لحقوق الإنسان و احترام لها و عمل بمقتضيات العهود و المواثيق الدولية، ثم يأتون في الواقع بأقبح ما يناقضها و أشنعه، و لا يذهبن بك الظن إلى ان هذه القوانين التي وقع سنها تعود إلى عقود عديدة من الزمن ، فهي تحتاج إلى مراجعة و إعادة نظر، بل هي من إنجازاتهم التي طالما افتخروا بها، و مثال ذلك: القانون عدد23 لسنة 1989 المؤرخ في 7 فيفري 1989 و الذي ينص على إلغاء عقوبتي الأشغال الشاقة و السجن المضيق. هل هناك أكثر صراحة و وضوحا و دقة من هذا النص الذي يعتبر السجن المضيق عقوبة من العقوبات مثل الأشغال الشاقة و غيرها؟ فماذا تراهم فعلوا في الواقع؟ هل تراهم فعلوا أكثر من إلغاء هذه العقوبة من فصول المجلة الجنائية التي كان تخول للقاضي إصدار أحكام متضمنة لهذه العقوبة؟ لم تكد تمض بضع سنين على إصدار هذه القانون حتى اكتسح العمل بهذه العقوبة سجون البلاد من شمالها إلى جنوبها، لكن دون حاجة إلى حكم محكمة أو إذن قاض قد يحد، زمانا أو مكانا، من حريتهم المطلقة في تسليط هذه العقوبة على من يشاءون و متى يشاءون و أينما يشاءون دون حاجة تذكر لإيجاد مبررات لها و مسوغات، أليس الهدف أن يبقى السجن فضاء للانتقام و التشفي و الإبادة حسب ما ورد في مرافعة النيابة العمومية أمام المحكمة العسكرية الأولى ببوشوشة؟ ألم يكن القاضي و هيأة المحكمة قي حاجة إلى حجج ذات شأن عند النطق بهذه العقوبة في جلسة علنية و أمام لسان الدفاع الذي لن يتردد عن التشهير بهذه العقوبة اللاإنسانية التي لا تزال سارية المفعول، أما وراء سبعة أبواب غليظة، غلظة قلوب الطغاة، و خلف الأسوار العالية المزدانة بالأسلاك الشائكة للسجون و المعتقلات، و بدعم من آلة إعلامية عمياء تخلت عن مواثيق الشرف و أنكرت حق المواطن في الإعلام، و بتواطؤ مخجل و مخز من كثير من العلمانيين و اللائكيين و مكونات "المجتمع المدني" و جملة من الحقوقيين، يمكن الاستفراد بهؤلاء و تجريعهم السم الزعاف سنين طويلة بعيدا عن أسماع و أعين النزهاء من الحقوقيين و الغيورين على هذا البلد من أبنائه و ذوي المروءة و الفضل في المشارق و المغارب. و كان الأمر الذي علمه الأبعدون، موطنا و لغة و دينا و هوية و عرقا، قبل الأقربين، و لعل تصفحا سريعا للبيانات الصادرة فيما يتعلق بسجناء الرأي عن بعض المنظمات الحقوقية يرشدنا يقينا إلى أسبقية منظمات دولية مثل العفو الدولية و هيومن رايتس ووتش في تناول هذه التجاوزات في حقهم و التشهير بها و الدعوة إلى وضع حد لها. فأين كان حملة لواء حقوق الإنسان و الأوصياء عليها من بني جلدتنا؟ أين الذين أقضت مضاجعهم اليوم بعض مثقال ذرة مما سلط على أخف سجناء الرأي تعذيبا و تنكيلا فارتفعت أصواتهم محتجة منددة وقد كانوا قبل ذلك في سبات أعمق من سبات أهل الكهف، تزاور عن اهتماماتهم و مشاغلهم و حساباتهم الهمسات و الأنات و الزفرات و الصرخات و الزمجرات: همسات أبناء البلد الذين لا حول لهم ولا قوة، و أنات الأطفال و قد افتقدوا الحبيب و القريب و زفرات الزوجات و قد تنكر لهن ذوي القربى و ضاقت عليهن الأرض بما رحبت ، و صرخات السجناء وهم يكالون العسف و الهوان و زمجرة الأحبة و رفاق الدرب الطويل و قد هالهم تجهم الأقربين و تملك الأبعدين لأمرهم؟ و مع ذلك فالمرء لا ولن ينسى أبدا قلة من الرجال و النساء أبوا و أبين السير مع القطيع فكان السجن في انتظارهم و فرق الاضطهاد و التعنيف من ورائهم فكانوا منارة مشعة تهدي الحيارى في ظلمات التغيير البائس فلم يضحك على ذقونهم و لم تخدعهم شعارات أفرغ من فؤاد أم موسى و لا وعود كاذبة لا تنطلي على من خبر الرجال و كانت له عظة من التاريخ و لم يبتل بقصر الذاكرة . و الآن، بعد ما حصل ما حصل، أرجو أن تكون قد ارتفعت غشاوة الحسابات الحزبية الضيقة و تبين خطأ و سذاجة المراهنة على الهجين من الخيول، و إن كان يثير البعض وهم أو هاجس أو كابوس أو حلم يقظة فينتفض مرتعشا أو غاضبا محتجا، و لا أقول مزايدا، لسراب رآه بقيعة ظنا منه أنه ماء سائغ شرابه فكان ملحا أجاجا، فهل من وقفة أو صرخة تستنهض الهمم، و تحشد المتألمين لما آل إليه وضع الحريات العامة و الخاصة عندنا، و تردي شأن حقوق الإنسان في بلادنا عموما، و وضع المساجين السياسيين خصوصا، و مع أني اعترف أني لم أوت من العلم إلا القليل من القليل فإني أقول أنه لم يبق في غياهب السجون مثل هذه المدة إلا سجناء المؤتمر الإفريقي في عهد التمييز العنصري بجنوب إفريقيا أو المنشقون في العهد الستاليني و قلة من دول الاستبداد السابحة ضد التيار و التي أعماها الحقد الأعمى عن الحق و العدل و المصلحة. ألا يكون من المخجل حقا بقاء مئات من مساجين الرأي طيلة هذه المدة و قد اتضح لكل ذي عينين بطلان التهم التي وقع توجيهها إليهم؟ نعم إن ذلك لمخجل حقا، ما رأي السادة الجامعيين وهم من هم علما و وعيا و زميلهم الأستاذ صادق شورو في العزلة المغلظة منذ أكثر من عشر سنوات، لم ير أثناءها غير سجانيه، وما رأي السادة الأطباء و زملاؤهم الدكاترة أحمد الأبيض و الأمين الزيدي. وراء القضبان منذ قرابة خمس عشر سنة، و كذلك الأمر بالنسبة للمهندسين، ما رأيهم و كل من حمادي الجبالي و علي شنيتر و عبدالحميد الجلاصي و كريم الهاروني و عيسى العامري و طه بقة و كمال بسباس و غيرهم قد أمضوا ربيع أعمارهم في السجون لا لذنب ارتكبوه و لا لجرم اقترفوه بل لحقوق تمسكوا بها و لم يتنازلوا عنها ، و نفس الشيء نقوله بالنسبة لرجال التعليم وهم الذين عرفوا بنضالاتهم الطويلة و مقارعتهم للحيف و تصديهم للظلم و الحال أن العشرات من زملائهم يقاسون الأمرين اكتفي بذكر كمال الحجام و الصحبي عتيق و مقداد العرباوي و أحمد الذهيبي و رفيق العجيلي و مبروك شنيتر و الأسعد المجدوب و أخيه أنور....إنه لعار على شعب بأكمله أن يبقى هؤلاء و إخوانهم و سجناء الرأي عموما في السجون دون أن يحرك ساكنا أو يرتفع صوته مطالبا بتسوية هذا الملف تسوية عادلة، و لو كنا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي أو لنا جهاز قضائي مستقل لطالب كل العقلاء بمحاكمة من ضلل العدالة و حبك المكائد و كذب على الشعب أشهرا عديدة فاختلق "وقائع" من صرف الخيال لتجييش الجيوش و تأليب الرأي العام ضد خصم سياسي أجمع الملاحظون على أنه يمثل المنافس الأوفر حظا في كل اقتراع نزيه و شفاف. لكن إن عدنا إلى مروان و مغادرته السجن المضيق، أي العزلة، بعد عام و نصف من إيقافه، نعلم أن سجانيه لم يلجئوا إلى الكذب و المغالطة، فلم يدعوا أن وجود مروان هناك إنما هو بناء على طلبه و تلبية لرغبته، كما فعل و يفعل آخرون، بل كانت لهم الشجاعة للتصريح بأنه في العزلة ليس تلبية لرغبته بل تنفيذا لأمر المحكمة التي لها أن تمدد في فترة عزلته كما لها أن ترفعها، و إذا علمنا أن العشرات من سجناء الرأي في تونس يقبعون في أجنحة العزلة المغلظة في مختلف السجون التونسية حيث ينهش الموت البطيء أجسادهم منذ أكثر من عشر سنوات بالنسبة للكثير منهم فهل يحق لنا أن نتساءل إن كان إيواؤهم بتلك الغرف الانفرادية التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى أبسط المرافق تلبية لرغباتهم أم تنفيذا لسياسة دأبت عليها الإدارة في التعامل معهم و لم تعد خافية عن أحد؟ إنه لمن المعلوم في السجون التونسية لهفة الإدارة على الحصول من المضرب عن الطعام عند إيقاف إضرابه على ورقة يكتبها معلما بفك الإضراب، فلم لا تطالب " الراغبين " في الإقامة في العزلة- إن كان ذلك حقا- بتحرير مطالب في الغرض؟ أم فاتها ذلك؟ و إني أسمح لنفسي، بصفتي أحد أولائك الذين سلطت عليهم هذه العقوبة، فقضيت سبع سنوات في زنزانات العزلة المغلظة، بالقول أن العزلة هي إجراء يتخذه مدير السجن و تزكيه الإدارة العامة و تباركه. و بالتالي تجد سجينا في العزلة المغلظة في سجن ما ثم ينقل إلى سجن آخر فيلتحق بالغرف الجماعية، كما تجد آخر في غرفة جماعية في سجن ما ثم ينقل إلى سجن آخر فيودع بالعزلة، و لن تجد أبدا من يجيبك عن أسئلتك بهذا الخصوص مثل سبب العزلة و مدتها؟ نعم قد أتى علينا حين من مدة السجن في الغرف الجماعية عملت الإدارة على تحويلها إلى جحيم لا يطاق بفعل التراتيب التي سعت إلى تطبيقها رغم مخالفتها للأمر المنظم للسجون و بفعل المكائد التي كانت تشجع مساجين الحق العام على حبكها و إطلاق أيديهم علينا و ألسنتهم فينا: سرقة و قذفا و سبا و تطاولا و فحشا... و وقوفها معهم رغم ارتكابهم ما يؤاخذون عنه جنائيا أحيانا. إن إيداع سجين رأي مصاب بالربو مثلا في غرفة منعدمة التهوئة، شديد الاكتظاظ، يدعوه و لا شك إلى المطالبة بتحسين ظروف إقامته و مراعاة وضعيته الصحية، لكني لم أسمع أبد أن سجين رأي طلب إيداعه بالعزلة المغلظة حيثما انتقل بين السجون و لمدة أكثر من عشر سنوات، بل سمعت بالعديد من سجناء الرأي الذين شنوا إضرابات عن الطعام مختلفة الطول للمطالبة برفع العزلة عنهم. و هب أن بعض سجناء الرأي طلبوا إيداعهم بالعزلة، وهو ما لم بحدث، فهل تراهم طلبوا إيداعهم لوحدهم بحيث لا يرى أحدهم سجينا آخر أبدا؟ إن الأستاذ الصادق شورو مثلا يقيم بغرفة انفرادية كائنة فوق مصحة سجن تونس بحيث لا يستطيع رؤية أيا كان و تعمل الإدارة بكل الطرق و الوسائل على عزله تماما عن كل من يحيط به. فلم يقع إخراجه للزيارة بعد الوقت الإداري أو في نهايته؟ و لم تجلب الإدارة له قدرا من الماء ليستحم في غرفته و لا يذهب مثل بقية المساجين إلى "الدوش"؟ و لم يذهب لمقابلة الطبيب عند الحاجة بعد الوقت الإداري؟ و لم تتم الزيارة بمفرده؟ ألم يكن السيد علي العريض، الناطق الرسمي بالنيابة لحركة النهضة، يقيم في غرفة انفرادية بجانب غرفة الأستاذ شورو فلم كانا يمنعان من التحادث و تبادل الجرائد و الطعام و غير ذلك؟ بل كانت الحراسة مشددة عليهما كي لا يستطيعا التواصل بأي طريقة كانت؟ بل لم وقع ايواء كريم الهاروني أو حمادي الجبالي في العزلة المغلظة لجناح التحقيق و الآخر في العزلة المغلظة لجناح المحكومين بسجن صفاقس و الحال أنهما محكومان منذ أثنى عشر سنة إن لم تكن إرادة التشفي و الانتقام؟ و إن كانت الإقامة بالعزلة نزولا عند رغبتهما فلم لا يودعان معا وهما ولا شك يرغبان في ذلك؟ و من الباب الجدل لا غير أتساءل إن كانت الإدارة العامة تنزل عند رغبة سجين يكاتبها مطالبا بتكليفه القيام بالأشغال الشاقة و نحن نعلم أن الأشغال الشاقة و السجن المضيق ألغيا معا في نفس القانون و بنفس التاريخ و في فصل وحيد؟ إن مغادرة مروان البرغوثي العزلة المغلظة و التحاقه بإخوانه من المناضلين كانت نتيجة تفاعل عوامل عدة لعل من أبرزها: - وجود مجتمع أهلي، أو مدني كما يحلو للبعض تسميته، فاعل و نشيط، سواء في الجانب الفلسطيني أو الإسرائيلي، ترفع عن الحسابات السياسية الضيقة، فكان حازما في دعوته لاحترام حقوق الإنسان و ارتفعت الأصوات من هنا وهناك مطالبة برفع العزلة عن مروان. و ذلك أن تعدد الجمعيات و كثرتها لا تعني شيئا إن لم تكن حرة، مستقلة في قرارها، لا وصاية لأي جهة عليها، نزيهة في أدائها. أرأيت إن جمعنا ثمانية آلاف صفر هل تكون النتيجة غير صفر لا يسمن و لا يغني من جوع؟ - أرأيت في البرلمان ذي الألوان الاصطناعية من يجرؤ على المطالبة بما يغضب السلطة مثل التحقيق في التجاوزات التي تحصل في السجون و من وفيات مشبوهة و تعذيب و انتهاك لحقوق الإنسان عموما و حقوق السجين خصوصا. - أرأيت وسائل الإعلام الرسمية و شبه الرسمية و المستقلة بل المعارضة تقوم بدورها في إعلام المواطن و التحقيق في المسائل التي تشغل الناس، و لعل تجربة الزميل الهادي يحمد مع "حقائق" لا تزال حاضرة في الأذهان، رغم كونه لم ينشر من واقع السجون و المساجين غير النزر القليل. - و مع كل ما ذكر، بل لعله أبرزها وجود مؤسسات تحترم القوانين التي تسنها هيئتها التشريعية و تنزل عند قرار السلطة ذات الشأن. فهنيئا لمروان البرغوثي بأبناء شعبه، و هنيئا له التحاقه بإخوانه، أما "براغثة " تونس و إن اتضح الطريق لهم فإنه لا يزال مبهما لدى الكثيرين، و يوم يتضح لهؤلاء يمكن أن نقول عندها: إنا خطونا الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل، رحلة بناء مجتمع الحرية الذي لا يستعبد فيه عبد لعبد، و مجتمع العدل الذي لا يظلم فيه أحد، و مجتمع الكفاية الذي لا يستأثر بالثروة و لا بالسلطة فيه أحد دون أحد...
عبدالله الزواري 06 - 01 - 2005 |
عبدالله الزواري 27-01-2005 |
|
|