|
|
|
2004-10-26 |
الاستغلال الجنسي لأطفال المغرب يخترق جدار الصمت
|
|
هزت الصدمة نجية عبيد عندما اكتشفت ذات يوم أن ابنها أيوب ذا الاعوام الاربعة كان ضحية اغتصاب متكرر داخل روضة الاطفال التي كان يذهب اليها. وقعت الصدمة كالصاعقة حتى أنها فقدت جنينها لكنها لم تستسلم لحصار الصمت الذي يفرضه المجتمع في مثل هذه الظروف وفكرت في انشاء جمعية هي الاولى من نوعها في المغرب للدفاع عن الاطفال ضحايا الاعتداء الجنسي. تقول نجية "اريد من خلال هذه الجمعية ان اطلع الناس بالمسكوت عنه في المجتمع وان اعلمهم ان غض الطرف والصمت عن الاشياء لا يؤدي الا الى استفحال الظاهرة وتفشيها بعد ان تصبح عواقبها وخيمة." وبكثير من المرارة والحزن تروي نجية (39 سنة) تفاصيل تعرض ايوب للاغتصاب من قبل حارس الروضة. اكتشفت الام الامر في مارس اذار عام 2003 عندما عاد ابنها الى البيت وطلب منها ان تنظفه فوجدته ملطخا بالمني. وبعد تردد وخوف كبيرين باح لها الولد بان حارس الروضة هو من يغتصبه باستمرار وجاءت نتائج تحليل الحمض النووي مطابقة لمني الحارس. وحكمت المحكمة على الحارس في مايو ايار الماضي بسنتين سجنا نافذة وغرامة مالية قدرها عشرة الاف درهم (ما يزيد قليلا عن الف دولار) مع عدم فرض أي عقوبات على المؤسسة مسرح العمليات التي طالت اطفالا اخرين حسب اعترافات المتهم امام المحكمة كما نقلتها الصحف المغربية. وانتقد الرأي العام المغربي هذا الحكم واعتبرته الصحف المغربية جائرا وعلقت عليه ام ايوب بقولها "هذا الحكم يشجع شواذ العالم على القدوم الى المغرب لممارسة شذوذهم على الاطفال والتمتع بظروف تخفيف بالرغم من اعترافات المتهم امام هيئة المحكمة بالفعل المنسوب اليه وتاكيدات تحليلات الحمض النووي." وصادق المغرب في يونيو حزيران 1993 على اتفاقية الامم المتحدة المتعلقة بحقوق الطفل. وفي 1995 انشا المغرب (المرصد الوطني لحقوق الطفل) المكلف بتنفيذ هذه الاتفاقية بعد صدور امر من العاهل الراحل الملك الحسن الثاني. وحسب اخر احصائيات المركز بالنسبة للستة اشهر الاولى لهذه السنة فان 61.95 في المئة من الشكاوى التي تلقاها تتعلق باعتداءات جنسية. وتمس الاعتداءات الجنسية 77 في المئة من الذكور بينما ترتفع الى 94 في المئة بالنسبة للاناث. وادخلت تعديلات مؤخرا على الفقرات الخاصة بحقوق الطفل في القانون الجنائي المغربي حاول من خلالها المشرع المغربي الملاءمة مع اتفاقية حقوق الطفل. وانتقلت مقاربة المشرع من الجزاء ضد الافراد فيما يتعلق بالبغاء والدعارة والاستغلال الجنسي الى اخذ بعد الجريمة المنظمة ذات الطابع الجنائي. ويقول المحامي والحقوقي المغربي شوقي بنيوب وهو أيضا عضو في المرصد المغربي لحقوق الطفل ان "المغرب استطاع بواسطة هذا القانون ان يحدث ملاءمة متقدمة مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل واستجاب لتوصيات لجنة حقوق الطفل كآلية من آليات الامم المتحدة ومع ذلك اعتبر ان المنظومة القانونية لازالت محتاجة الى بعض التدابير المسطرية المرافقة لهذه المقتضيات القانونية." ومن بين هذه التدابير يرى بنيوب "من الضروري احداث فرقة خاصة بموضوع الاعتداءات الجنسية على صعيد الشرطة القضائية وكذلك وضع قضاة متخصصين على صعيد النيابة العامة وقضاء الحكم وتطوير آليات الفحص الطبي والنفسي وفق عناية خاصة." ويضيف "كما دمرت الاجهزة الامنية والشرطة القضائية خلايا الارهاب تستطيع تدمير خلايا الاعتداءات الجنسية." وبدأ المغرب يكسر طوق الصمت المضروب على هذا النوع من المواضيع منذ فترة ليست بالطويلة وبدأت الصحافة المغربية تتناوله بهامش كبير من الحرية كما تتناول مواضيع اخرى كاللواط والسياحة الجنسية والدعارة في المغرب. ولم يكن هذا امرا مألوفا قبل سنوات قليلة عندما اوقفت السلطات المغربية في اواخر الثمانينيات مجلة تناولت السياحة الجنسية في المدن الجنوبية للمملكة. ويرى المهتمون بقضايا المجتمع المغربي انه لا يمكن الجزم بما يطرأ من تغير في عدد جرائم الاعتداءات الجنسية على الاطفال لعدم توافر احصائيات علمية دقيقة لكن من المؤكد ان الذي تزايد هو الحديث عن الجرائم والذي كان من المحظورات في السابق داخل المجتمع المغربي. ويرى استاذ علم الاجتماع المغربي احمد الكوهن "بفضل تطور المجتمع المغربي من الناحية الثقافية والسيسيولوجية غيرنا نظرتنا الى الاشياء." ويضيف "الان اصبح الحديث عن الجنس الممارس على الاطفال يدخل في باب المأساة فقط لاننا رفعنا حجاب السرية عنه وبدأ يدينه المجتمع المغربي كما تدينه السلطات ايضا." ويرى الكوهن ان السلطات ايضا بدأت تتكلم عن المحظورات "وهذا جديد. مثلا في عهد العاهل الراحل الحسن الثاني كان الحديث عن تفشي الفقر في المجتمع المغربي مرفوضا. وفي عهد محمد السادس نجد العكس اذ يشير في كل مناسبة الى خطورة انتشار الفقر في المجتمع المغربي ونفس الشيء بالنسبة لملف انتهاكات حقوق الانسان." وبالنسبة لسعيد الراجي مدير المرصد المغربي لحقوق الطفل فان "اهم شيء نلمسه هو الوعي الذي اصبح لدى العائلات المغربية بحث اصبحت العائلات تأتي رفقة ابنائها الى المرصد لتشتكي." ويضيف "نسجل ارتفاعا في عدد الشكاوى وليس في عدد الجرائم وهذا يدل على الوعي الذي حصل لعدد من فئات المجتمع خاصة بعد الحملات الاعلامية التي قمنا بها من اجل التحسيس بخطورة الظاهرة." وفي ديسمبر كانون الاول الماضي قام المرصد الذي ترأسه اللا مريم شقيقة العاهل المغربي محمد السادس بحملة توعية عبر وسائل الاعلام المغربية من بينها القناة الاولى الرسمية للتعريف بخطورة الاعتداءات الجنسية على الاطفال والمجتمع. كما علقت صور الحملة الدعائية ضد الاستغلال الجنسي للاطفال في الشوارع العامة والطرق الرئيسية لعدد من المدن الكبرى. وقال الراجي"من خلال هذه الحملات خلقنا نقاشا عاما داخل المجتمع وبدأت العائلات تصطحب حتى أبناءها بعد ان كانت تقتصر في السابق على جلب الفتيات والخجل عن الحديث عن اغتصاب الذكور." واضاف ان "عمل المرصد هو القيام باعمال نموذجية لكي يقوم اناس اخرون مثلنا ونكون قدوة لان السكوت عن مثل هذه الامور يدخل المجتمع في هالة من التعقيدات." وفجرت قضية رجل اغتصب ثمانية اطفال وقتلهم في منطقة تارودانت الواقعة على بعد 680 كيلومترا جنوبي العاصمة الرباط في اوائل سبتمبر ايلول الماضي الرأي العام المغربي وتناولته الصحف المغربي بكثير من الاسهاب. واستمر عمل المحققين والطب الشرعي نحو 20 يوما لمعرفة دوافع الجريمة التي اعتقد في البداية انها كانت بهدف الشعوذة او التجارة في الاعضاء قبل ان يكتشف ان الهدف كان جنسيا. وتسعى نجية ام ايوب بعد اشهر من اغتصاب ابنها الى مساعدة عائلات الاطفال الضحايا في تارودانت عبر جمعيتها التي اختارت لها شعار "لا تلمس ابني". وتعلق نجية "احسست بقوة كبيرة تجذبني الى هذه العائلات واحسست بمأساتهم المزدوجة.. الاغتصاب ثم القتل." واضافت "بالرغم من بساطتهم وتدني مستواهم الثقافي لمست وعيا كبيرا لديهم وعزيمة على تحمل مسؤولية عدم الصمت وفضح مثل هذه الجرائم."
زكية عبد النبي رويترز - الرباط 26 - 10 - 2004 |
|
|