|
|
معضلة الفساد في الوطن العربي
|
|

لا شك أن النزهاء من المتتبعين يدركون جيدا تعلق الأستاذ المنصف المرزوقي بالديمقراطية وحقوق الإنسان ويشهد له القاصي والداني سعيه المحموم لترسيخ ثقافة الحرية والقيم الإنسانية النبيلة في مجتمعنا الشرقي المتشبث بأغلاله التاريخية وبماض يطغى عليه الإنغلاق والعنف وقد شكل نصه الأخير ودعوته لتعميق الحوار الوطني للكثير من الخفافيش والرجعيين المعصوبي الأعين والقلوب فرصة أخرى للتهجم على شخصه ونعته بأقذع النعوت دون محاولة فهم مقاصده وقد تناسى جميعهم عن قصد التضحيات الجسام التي أقدم عليها الرجل وذويه منذ سنين عديدة وخاصة في أوائل التسعينات لما سكت الجميع عن إعلاء كلمة الحق وانصرفوا لتدبر شؤونهم الخاصة جدا... الرد على هذه الغوغاء أو حتى ذكر رموزهم النكرة لن يجدينا نفعا لذا سأحاول في هذه الأسطر أن أستجيب لهذه الدعوة الكريمة وأدلي بدلوي في الشأن العام. الدعوة للحوار الوطني التي أطلقها الدكتور المنصف المرزوقي هي على حد فهمي وعلمي دعوة لوجود آليات لكسر الطوق المفروض على أبناء تونس الخييرين والذي يجعلهم غير قادرين من مواقعهم على دفع عجلة الإصلاح في عالمنا العربي فلتونس خبرات لا يستهان بها في كل المجالات ولكن عدم وجود مناخ من الشفافية والحرية والأمن بين ظهرانينا جعلها تكتفي بتحصيل الرزق دون الالتفات لتطوير الواقع المعاش والرقي به أو حتى محاولة إصلاحه. حركة تحرير تونس من الدكتاتورية لها جيش عرمرم من جنود الاحتياط الذين أجبرهم قمع بن علي على أن يقفوا على الربوة ويلوذوا بالصمت وهم يشاهدون بلدهم تسير نحو الخراب بل أن أغلبهم تحول في ظرف سبعة عشرة سنة من الفساد الإداري والإقتصادي إلى جنود إحباط لكل من رام تحرير تونس من عصابة الجريمة المنظمة التي تحكمنا. بقليل العلم الذي حصّلت في مجال الاقتصاد فهمت أن مكمن الداء هو الفساد المالي الذي تعرفه تونس فعائلة زين العابدين بن علي صارت تتحكم في كل شيء في بلدنا وتمتلك كل الشركات الكبرى دون استثناء ولكن الذي أرقني أكثر هو تشابك مصالح العائلة المالكة في تونس مع باقي رؤساء وملوك الفساد في عالمنا العربي بشكل يدعو للريبة والحيرة. كل يوم يأتينا بالجديد حول أخبار هؤلاء الإقطاعيين وكل يوم نذهل أكثر لجرأتهم وتجاسرهم على المال العام وعلى قوت ملايين الفقراء والمعطلين في عالمنا العربي، التنظير قد لا يجدينا كثيرا وهذا مثال مبسط لتوضيح بعض ما خفي: بربكم هل من تفسير لاستثمار من يسمونه شهيدا ومناضلا، وهو لص حقير، لأموال اليتامى والأرامل وعوائل الشهداء في شركة تبيع الكلام ولا شيء غيره ؟ نعم أنا أتحدث عن سيء الذكر ياسر عرفات الذي سرق أموال المحتاجين (75 مليون دولار) ووضعها بين أقدام دكتاتور مثل بن علي في شركتهم الفاسدة "تونيزيانا" التي شكل حصولها على صفقة الهاتف المحمول في تونس واحدة من أغرب الصفقات في عالم الاقتصاد... هل من تفسير أيضا لاستثمار المخادع عبد العزيز بوتفليقة وأخوه لأموال الجزائريين المساكين، الذين لا يصل الماء بيوتهم إلا بضع دقائق في اليوم، في نفس هذه الشركة الفاسدة وكيف رموا في السجن بالصحفي محمد بن شيكو صاحب جريدة "لوماتان" بعد أن اقترب من إزالة الغبار عن العلاقات الفاسدة بين النظامين في تونس والجزائر... هل من معجزة تفسر لي سر إعطاء المافيوزي المصري نجيب ساويريس معظم صفقات الهاتف المحمول في عالمنا العربي وهو لا يملك سيولة تكفيه حتى للحصول على رخصة الهاتف الرّيفي في جزر زنزيبار... الغريب في الأمر أن نزيف الأموال العربية سيشهد مزيدا من الحدة بعد أن تقدم نجيب ساويريس وشركائه من ليلى الطرابلسي إلى سهى عرفات... في مناقصة شراء إحدى شركات الهاتف المحمول في ايطاليا (Wind) والتي لا يقل ثمنها عن نصف الناتج القومي لبلد مثل تونس (12 مليار دولار) وهم من "عجزوا" لمدة أكثر من سنة عن خلاص نصف ثمن صفقة الهاتف المحمول في تونس والذي لم يتجاوز (257 مليون دينار) ... سأكتفي بهذا القدر الآن وأجنب القارئ تفاصيل عن ميادين أخرى مثل الانترنت قد تصيبه بالدوار والغثيان لشدة فساد من يسمون أنفسهم ملوكنا ورؤسائنا. الدكتور المرزوقي لم يطلب من أحد أن يأتينا بالوصفة السحرية التي قد تجعل الحرية والديمقراطية تشملنا كسائر خلق هذه المعمورة فالحمقى من أين لهم أن يعرفوا أن ما حدث في جورجيا وأوكرانيا هو نفس ما حدث تقريبا في صربيا ميلوزيفيتش منذ سنين وبدون إطالة السلك الدبلوماسي الأمريكي هو تقريبا نفسه ولكن في فترات مختلفة وفريق الخفاء الذي أعد المهرجانات الشعبية الضخمة والمكلفة جدا على الصعيد المالي هو من كرواتيا... لأن لا المعارضة الجورجية ولا المعارضة الأوكرانية خير من معارضتنا نحن ولا هي أقدر منا على التضحية والنضال لو كانت همّة الجميع الإطاحة ببن علي ولا شيء غير ذلك... لا بأس على كل حال، وأمريكا قد يصبح لها رأي مخالف غدا وإن كانت لازالت غير راغبة في الوقت الحالي بالإطاحة بالجاثم على صدورنا. الدعوة للحوار الوطني هي دعوة للتعويل على الذات في هذه المرحلة بعد أن سأم الجميع إنتظار أن تنفرج الأمور لوحدها وهو أمر شبه مستحيل ودعوة لإرباك هذا النظام البوليسي بهرسلته من كل جانب وكل من موقعه ويظل تناقل المعلومة وترويجها أهم خطر يهدد هؤلاء الإرهابيين الذين يحاولون زرع الرعب في نفوس التونسيين حتى يصمتوا ويحتفظوا بأسرار فساد الدكتاتورية لأنفسهم. إن كانت جرائد السلطة لا ترغب في نشر غسيل هؤلاء اللصوص والشواذ وتفضل إضاعة وقتنا في تفاصيل لا تسمن ولا تغني من جوع مثل هل مات عرفات مسموما؟ ربما توفي بحقنة شرجية في دماغه الخرف وهم من تناسوا أنه يرتعش مثل أوراق الخريف منذ عقد... هل قبض على صدام حسين في منزل وهو يصلي العشاء أم في جحر فأر وهو يتبول في جلبابه من شدة الخوف؟ ... اللعنة ما يجديني معرفة تفاصيل حياة هؤلاء الجراثيم الذين جعلونا نعيش في القرون الوسطى والناس تستعد لغزو المريخ وتركنا هنا للجوع بدون إعانات القمحوالشعير...لماذالا يستغل التونسيين فرصة وجود الانترنت للتنكيل بالمدعو زين العابدين بن علي وعصابته وتحويل حياتهم لجحيم لا يطاق ويقاطعوا في الآن نفسه كل من يطبل ويرقص لناهبي خيراتنا؟ أنا متأكد أن العديد من القراء لهم معلومات حول عصابات الفساد المتسلطة في تونس وفي الوطن العربي وكلي أمل أنه سيأتي اليوم الذي يتبنه فيه التونسيين لأهمية فضح هؤلاء المجرمين وحرمانهم من غطاء خوفنا وجبننا الذين يتسترون به. سحقا للدكتاتوريات العربية والإسلامية على حد السواء، سحقا لزين العابدين بن علي ولكل من منعنا من العيش بكرامة وحرية. |
زهير اليحياوي 2-01-2005 |
|
|