|
 القول بأن الانتخابات في الأقطار العربية مهازل وكوارث صار من المسلمات والبديهيات وخاصة في بلدنا تونس، المستقلة أو هكذا يخيل لبعضنا منذ نصف قرن تقريبا، والتي لم يعرف مواطنوها حد الساعة غير نسخ سمجة جدا من عمليات الاقتراع وتعديات صارخة وفاضحة على أبسط حقوق المواطنة. يوم 24 أكتوبر 2004 ستمتهن كرامة كل تونسي وتونسية بل قل ستلطخ بالأدران وتمرغ في الوحل ككل مرة يتكرم فيها الحاكم بأمر الله وبدونه بتنظيم مهزلة جديدة، إمعانا في إذلال السوقة وإرضاء لغروره المرضي وهو العاجز عن كبح جماحه. الرعية أو البهائم أو الشعب، وربها واحد، تكاد تجزم أنه لا فائدة تذكر من تبذير هكذا أموال ومجهودات وهي المدركة حق الإدراك أن لا صوت يعلو فوق صوت الراعي وصناديقه المحشوة خداعا وزورا وبهتانا.
السؤال الذي يظل معلقا وعلقما ككل مرة هو لماذا يقع تنظيم هذه الأوبرات الرديئة المسماة انتخابات بصفة دورية والتجربة أكدت عدم جدواها بالمرة ؟ الرد عن أسئلة كهذه حبلى بإجاباتها قد يبدو لغطا لا فائدة منه ولكن لا بأس من تقديم بعض التوضيحات :
- التونسيين لا يحكمهم ومنذ القدم غير أردأ الأنذال وأذيال الاستعمار وأنصاف المجانين وعموم الجلادين والغريب في الأمر أن جلهم إن لم نقل كلهم ذوي أصول وأعراق غريبة عنا، إذا لا فائدة تذكر من التعجب والبهتان فالتاريخ قلما يرفض تكرار نفسه. - القوى العظمى تضغط دائما على جلادينا وتجبرهم على ذر الرماد على العيون والعيوب درءا لمخاطر كل ما من شأنه تعكير صفو نهبهم المتواصل لثروات مستعمراتهم السابقة والذي لن يتوقف أبدا. الإنتخابات ولو كانت شكلية محنة لابد أن يعيشها حتى خليفة نفسه الأبدي. - الطاغية الذي يصل للسلطة بطريقة غير قانونية بحاجة دائما لإضفاء شرعية وهمية على تجارته البائرة ولو أنه يعلم مسبقا أن لا أحد يمكنه أن يصدق خزعبلاته حتى أقرب مقربيه. - الانتخابات في تونس هي المناسبة المثلى لمجازاة المهرجين والمهادنين ومتسلقي الكراسي ورماة الورود وغيرهم من طفيليات سوق البلاط، فالحاكم به عقدة نفسية تدفعه لقياس درجة ولاء هذا الرهط ومدى قدرته على الانحناء والسجود أمامه أكثر في المستقبل.
الحاكم أو أعلى هرم السلطة قادر على إرتكاب حماقات لا قبل لأحد بها كلما فقد رادع يرده عن غيه ويثنيه عن التنكيل بالمستضعفين ومن لا حول لهم ولا قوة، فتزوير الإرادة الشعبية الذي يمارسه زين العابدين بن علي هو لأمر هين وبسيط إذا ما قورن مثلا بالتعذيب والتقتيل الذي تمارسه أجهزته القمعية في حق منتقدي سياسته اللقيطة...
إن فضح سياسة حكامنا ليس بالأمر المعقد أو الذي يحتاج لدراية وحنكة والسبب بديهي جدا فأمثال زين العابدين من القوادة وأشباه القادة يتمتعون بالقدر الكافي من الحماقة والسخافة الذي يجعلهم ينثرون أدلة إدانتهم حيثما هبوا ودبوا وهو ما يدعو المتضررين والمعارضين للمرور لمراحل أخرى من النضال تتجاوز الهجاء والرثاء وهي :
- لا للقبول بسياسة الأمر الواقع فزين العابدين بن علي سيفقد آخر أوراق التوت التي سترت عوراته طويلا ليلة 24 أكتوبر 2004 ولو أنه فقد بوصلته منذ 26 - 05 - 2002. على الجميع إذا الكف عن المهادنة وتسمية الجاثم فوق صدورنا رئيس الدولة. - لو لم تخني الذاكرة دخلنا القرن الواحد والعشرين منذ سنوات وتجارب القرن المنصرم أثبتت بما لا يدع مجالا للدحض وفي كل أرجاء المعمورة بأن الجنرالات مكانهم الطبيعي هو الخنادق ومقابر الغرباء وليس قصر قرطاج. لا خير إذا في شعب تحكمه أحذية ثقيلة نتنة قادمة من القرون الغابرة والعار الذي يلحقنا من ولاية العسكر لأمورنا أنى له أن ينتهي في القريب العاجل. - عولمة النضال ضد الدكتاتورية تفرض نفسها، فأمريكا وأوروبا اللتان ترضيان أن يقوم إرهابي مثل زين العابدين بن علي بمكافحة غسيل الأموال وتجارة المخدرات والإرهاب والهجرة غير الشرعية وهما اللتان تدركان حق الإدراك أنه المسؤول الأول والأخير عن تفشيهم في بلدنا حق لهما أن يعرفا أننا لسنا بأغبياء أو معتوهين. - عزل النظام البوليسي لبن علي بالثلاثية التي لا بديل عنها وهي لا صلح ولا إعتراف ولا تفاوض، فمن رام حرية التنظم والتعبير وغيرها من حقوقه الدستورية المشروعة فليفعل ذلك بدون أن يلتمس ذلك من فاقدي كل شرعية قانونية للمنع أو للسماح. - علينا جميعا طرد شبح الخوف نحو معاقل العدو، وبالمناسبة تسمية الأشياء بأسمائها، فنظام الجنرال بن علي أعلنها حربا شعواء على كل مقومات دستورنا ومؤسساته وهو بذلك يضع نفسه من حيث لا يعلم في مواجهة بلد بأكمله وعليه تحمل تبعات ذلك وحده.
في الختام لا أحسب تونسية أو تونسي يقبل أن يورثه جده وأبوه نظام جمهوري شبه مكتمل ليترك، وهو المؤتمن على إرث أسلافه، المجال واسعا للرعاع ولسقط المتاع لتعيدنا للأنظمة الإقطاعية البائدة ولتتعدي على ما تبقى لنا من كرامة وعزة نفس. تحيى تونس حرة منيعة أبد الدهر وليفنى زين العابدين بن علي وكل من سانده وحذا حذوه.
الـــــــــتــــونــسـي بن عروس - تونس ذكرى الجلاء 2004 |