روبرت فيسك - إذا كان للعراق صديق حقيقي، فهو مارجريت حسن
مارجريت؟ مارجريت حسن؟ تلك التي قالت لي إنه قريباً - قريباً جداً - »سيكون هناك أكثر من جيل واحد ضائع» في العراق. اختطفت وهي في طريقها للعمل حيث تدير مكتب «كير إنترناشيونال» في العراق؟ أليس هناك نهاية لأهداف الخاطفين؟ كانت مارجريت حسن عدوة الحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق، وهي رمز لكل أولئك الذين يؤمنون أن العراق - العراق الحقيقي الحر المستقل - له مستقبل، وكل ما يمكن أن يقال لنا إنها هي أيضاً انضمت إلى مجموعة اللا أشخاص »المختفين»، قائمة أولئك الذين - بسبب لغتهم أو لون عيونهم أو جنسيتهم - انزلقوا إلى حفرة العراق المظلمة. كانت الإهانة العظمى يوم أمس أن نسمع دبلوماسيين بريطانيين أيدوا تلك العقوبات الاقتصادية القاتلة يذرفون دموع التماسيح على «مارجريت» سارع توني بلير إلى القول إن بريطانيا ستفعل كل ما بوسعها لضمان إطلاق سراحها. قال وهو يقف بجانب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في لندن «هناك حقيقة حدود لما أستطيع قوله لكم في هذه المرحلة، ولكن بالطبع سنفعل كل ما نستطيعه... إن هذا يظهر نوعية الناس الذين نتصدى لهم والذين هم مستعدون لاختطاف شخص من هذه مارجريت. لا نعرف أي جماعة هي. لكن توني بلير كان يؤيد العقوبات الاقتصادية تماما والتي كانت مارجريت حسن تقف ضدها وتعارضها بشدة. التقيت بها عام 1991 بعد انكشاف أمر استخدام الأميركيين والبريطانيين لليورانيوم المخضب في ذخائرهم في حرب الخليج، وانتشار أمراض السرطان وسرطان الدم بين الأطفال العراقيين في السنوات التي تلت ذلك. كان قراء صحيفة »الإندبندنت» التي أعمل لديها قد تبرعوا بمبلغ 250.000 دولار لشراء الأدوية وتكفلت منظمة كير التي كانت مارجريت تعمل لحسابها بتوزيع اللقاحات في المشافي العراقية. مارجريت مع زميلتها جودي مورجان من دبلن، حصلتا على الشاحنات لنقل هذه الأدوية الضرورية عبر العراق لمحاولة إنقاذ الأطفال في «أجنحة الموت» في المشافي العراقية. شاهدت مارجريت وهي تتملق إلى سائقي الشاحنات وتتوسل إلى المشافي وتفاوض تجار التكييف والتبريد لتوصيل العلاج إلى مشافي الأطفال في حرارة أكتوبر. إنها امرأة ذات أهداف. كل أسبوع، كل يوم، كل ساعة، كانت أدلة مأساة إنسانية على نحو واسع - كارثة سببتها عقوبات الأمم المتحدة ولا يمكنلمارجريت وأمثالها أن يفعلوا شيئاً للتخفيف منها - تتراكم على طاولاته في مكتب «كير» في بغداد. عدت إلى دفتر ملاحظات قديم سجلت فيه مقابلة مع مارجريت. كان ذلك في 5 أكتوبر 1998. في الهامش كتبت عنها: »هي لا تصرخ عندما تتحدث، لكن سخطها - الذي عبرت عنه بصوت أعلى من صوت المكيف في مكتبها - يأتي كالصرخة، غاضبة ومحبطة، من شخص تعب من الاستماع إلى التفاهات». كانت تلك أياما سوداء. قالت وهي تضرب بقبضة يدها اليمنى على راحة يدها اليسرى: «إنها كارثة سببها البشر. نعم، بعض الناس استفادوا مما فعلناه، لكننا لا نستطيع أن نحل مشكلة العراق. ليس في العراق اقتصاد، لا نستطيع أن نستبدل ذلك بالمساعدات، سحبت مارجريت حسن ملفاً سميكاً عبر طاولتها في 1998، ما نفع ما نفعله هنا؟ لو كان هذا من بلدان العالم الثالث، لجلبنا بعض مضخات المياه بكلفة بضعة مئات الجنيهات وبذلك قد ننقذ آلاف الأرواح، لكن العراق لم يكن من دول العالم الثالث قبل حرب 1991 - ولا تستطيع أن تدير مجتمعاً متطوراً بالمساعدات، إن مشكلة نظام المياه هنا هو نتيجة انهيار أو تعطل مصانع متطورة لتنقية المياه. وهذا يكلف مئات آلاف الجنيهات لإصلاحه - في إقليم واحد من هذا البلد... الأطباء هنا ممتازون الكثيرون منهم تلقوا تدريبهم في أوروبا والعراق - ولكن بسبب العقوبات الاقتصادية، لم يتمكنوا من الاطلاع على مجلة طبية منذ ثماني سنوات. وفي العلوم، ماذا يعني هذا؟» كانت مارجريت تعتقد أن الغربيين تخلوا عن العراقيين العاديين خلال السنوات الـ13 من العقوبات الدولية. قالت لي «لا أعتقد أننا نعتبرهم بشرا، إذا رأيت شخصا يعاني - إذا كانت لديك ذرة من إنسانية - فإن عليك أن تتجاوب مع ذلك، العقوبات الاقتصادية غير إنسانية وما نفعله لا يمكن أن يعوض تلك اللا إنسانية. إنها مخالفة لميثاق الأمم المتحدة الذي يضمن حقوق الفرد. إنها تناقض ونفاق... إن عقوبات الأمم المتحدة تنتهك حقوق الفرد في ميثاق الأمم المتحدة. إن أي شخص ينظر إلى هذا الأمر بشكل موضوعي عليه أن يقول هذه الأمور». أذكر في عصر أحد الأيام، بعد أن أرسلت أدويتنا إلى الأطفال المصابين بالسرطان في بغداد، أن مارجريت حسن بدت عليها الهزيمة. قالت «الناس هنا فعلا فعلا يعانون. هل يعرف الناس ماذا يعني أن تستيقظ الأم كل يوم، وهي لا تعرف كيف ستطعم أطفالها؟ لا أعتقد أن الغربيين يرون العراقيين كشعب عادي». إن من أقصى المفارقات أن امرأة كانت شجاعة وطيبة ونزيهة بما فيه الكفاية لتقف ضد العقوبات الاقتصادية المخجلة تتعرض للخطف على يد أشخاص في بغداد، إذا كان هناك على الإطلاق صديق حقيقي للعراقيين، فهو مارجريت حسن. شجاعة، صريحة، ثابتة : إنها بطلة. إن على خاطفيها أن يشعروا بالتواضع لأنهم يتحدثون إلى مثل هذه السيدة الرائعة.