|
|
|
2004-12-23 |
المسيري: الحديث عن وجود خصوصية حضارية لليهود مجرد "خرافة"
|
|

وصف الكاتب المصري عبد الوهاب المسيري مؤلف موسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية) الحديث عن وجود خصوصية حضارية لليهود بأنه "خرافة" مشددا على أن ما وصفه بالعدوان الاسرائيلي اليومي على الفلسطينيين يعبر عن "يأس الدولة الصهيونية." وقال إن من السذاجة افتراض وجود خصوصية تاريخية لليهود نظرا لعدم وجود مشترك تاريخي بين أعضاء الجماعات اليهودية وان "أي حديث عن وجود تجانس بين أعضاء الجماعات الدينية اليهودية خرافة ابتدعها الصهاينة والمعادون لليهود واليهودية على حد سواء." وصدر للمسيري أخيرا عن دار الهلال بالقاهرة كتاب (التجانس اليهودي والشخصية اليهودية) في 348 صفحة ويناقش قضايا منها (القومية اليهودية بين الوهم والحقيقة) و(شعب يهودي أم جماعات يهودية) و(الصهيونية.. حركة قومية أم حركة عقارية) و(التحولات في الشخصية اليهودية) و(خرافات الهيكل) و(بين النبوءة الصهيونية والحقيقة الاسرائيلية) . وقال المسيري لرويترز إن الكلام عن إقامة دولة للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي يحمل قدرا من عدم الدقة فرغم كونه أحد أشكال الاعتراف بوجود شعب فلسطيني فانه "يؤكد أيضا وجود شعب يهودي له حقوق في فلسطين المحتلة قبل عام 1948." وأعلن قيام دولة إسرائيل في منتصف مايو أيار عام 1948 استنادا إلى موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 29 نوفمبر كانون الأول عام 1947 على مشروع القرار رقم 181 الذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية عقب انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين. وأشار المسيري إلى أن البديل هو إقامة "دولة واحدة ديمقراطية تضم من يقيمون في هذه الأرض." وقال إن الصيغة التي يقترحها لن ترضي المتشددين في إسرائيل مرجحا أن تترتب عليها "هجرة الاشكيناز (اليهود الغربيين) من إسرائيل والعيش في الغرب نظرا لكونهم كفاءات علمية واجادتهم عددا من اللغات وانتمائهم حضاريا إلى الثقافة الغربية." وشدد على أن إسرائيل ليست دولة دينية وإنما "علمانية تستخدم ديباجات يهودية مثل الممالك الصليبية التي لم تكن مسيحية ولكنها استخدمت ديباجات دينية." وتساءل "إذا كانت إسرائيل دولة دينية فهل يمكن الاحتكام إلى نصوص الدين اليهودي خاصة التي تقول.. لا تقتل.." وقال المسيري إن البديل أمام الفلسطينيين هو "الاستمرار في النموذج العسكري الانتفاضي" في إشارة إلى عدم اتفاقه مع المنادين بعدم عسكرة الانتفاضة التي انطلقت يوم 28 سبتمبر أيلول عام 2000. وشدد على وجود "أمل في هذه الصيغة "رغم العدوان الاسرائيلي" الذي يعبر في رأيه عن يأس الدولة الصهيونية. "هذه المعادلة يجب ألا تخضع للحسابات الكمية أو للمقارنة بين القوتين. نموذج الجهاد في الجزائر يعطي أملا. من كان يتصور أن تتخلى فرنسا عن الجزائر التي أثبتت معركتها انتصار الحق على القوة ولو بعد سنوات من الكفاح.." ووصف إسرائيل بأنها دولة وظيفية تكتسب شرعيتها وقوتها من خارجها مشددا على أن مواطنيها لا يجمعهم الا كونهم يهودا وأن تاريخ من وصفهم بالجماعات اليهودية لم يسجل "أية حركات منظمة للعودة لارض الميعاد. وظل ارتباطهم بالأرض أشبه بارتباط المسيحي أو المسلم بأرضه المقدسة." وأضاف "من الثابت أن تواريخ الجماعات اليهودية في العالم أو الشعب اليهودي كما يقول الصهاينة كانت تتسم خصوصا في العالم الغربي بالحركة والهجرة الدائمة. فاليهود هاجروا إلى الأندلس وحينما طردهم العرب اتجهوا إلى هولندا والقاهرة واستوطن بعضهم ألمانيا ومنها انتقلوا إلى بولندا وروسيا. ولم يحدث قط أن هاجر اليهود في جماعات يعتد بها إلى فلسطين وطنهم القومي المزعوم." وقال إن اليهود تحولوا في العصور الوسطى إلى جماعات وظيفية تعمل بالتجارة والربا وصاحب زحف الحركات القومية البرجوازية في عصر النهضة انعتاق سياسي لليهود أو منحهم حقوقا سياسية "تجعل منهم مواطنين صالحين لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات." وأشار إلى أن ما وصفه بالانعتاق في بداية عصر الصناعة صاحبته حركة اصلاح واستنارة يهودية للتألقم مع الاقتصاد الجديد بعد انتهاء عصر الاقطاع بهدف "تعميق ولاء اليهودي للوطن الذي يعيش فيه وقصر انتماء اليهودي على الدين وحده. "لكن الصهاينة ممثلي العقلية الجيتوية (الانعزالية) وقفوا ضد هذا التيار الاصلاحي وراحوا يعملون على تحويل الاحساس الديني بالانتماء إلى جماعة دينية واحدة والارتباط العاطفي بالأراضي المقدسة اليهودية إلى شعور قومي وبرنامج سياسي." ونفى المسيري في كتابه وجود ما أسماه القومية اليهودية حيث لا توجد في رأيه مقومات موضوعية لهذا المصطلح. وقال "لعل المقارنة بين يهود الولايات المتحدة ويهود الفلاشاه على سبيل المثال تبين مدى ابتعاد الرؤية الصهيونية عن الواقع. فالاختلافات بينهما في جميع المجالات عميقة وجذرية." وقال انه باستثناء الحضارة العبرانية القديمة والثقافة الاسرائيلية الجديدة "لا يمكن الحديث عن ثقافة أو حضارة يهودية مستقلة أو شبه مستقلة. فاليهود مثلهم مثل كافة أعضاء الجماعات الأقليات الدينية والعرقية الاخرى يتفاعلون مع ثقافة الاغلبية التي يعيشون في كنفها ويستوعبون قيمها وثقافتها ولغتها." ومضى موضحا أن درجة الاستقلال التي تمتعت بها كل جماعة يهودية عن الاغلبية التي تعيش بينها لا يختلف عن استقلال الاقليات الاخرى عن الاغلبية "كما أنه لا يعني أن ثمة عنصرا عالميا مشتركا بين كل جماعة يهودية وأخرى... ليس هناك طراز معماري يهودي أو فن يهودي مستقل. هيكل سليمان لم يكن يختلف كثيرا عن الهياكل الكنعانية." وأضاف أنه لا يوجد تراث أدبي يهودي مستقل معروف فالادباء اليهود العرب في الجاهلية والاسلام اتبعوا التقاليد الادبية السائدة في عصورهم كما أن ابداع الادباء اليهود في الولايات المتحدة وانجلترا مرتبط بالتراث الذي ينتمون إليه وهذا أمر طبيعي." وقال إن الاذاعة الاسرائيلية تشير إلى الموسيقي المصري داود حسني "باعتباره موسيقارا يهوديا وهو أمر يستحق التأمل دون شك لاننا لو حاولنا البحث عن أي مكون يهودي في موسيقاه لاعيتنا الحيلة." داود حسني (1871 - 1937) الذي يعتبره موسيقيون الأب الروحي لسيد درويش لحن أول أوبرا مصرية هي (شمشون ودليلة). ومن ألحانه التي تعد من تراث الغناء العربي (قمر له ليالي) و(على خده يا ناس ميت وردة) التي غناها صالح عبد الحي. وكان حسني أحد الذين تتلمذت عليهم أم كلثوم وأسمهان. وشدد المسيري على أنه "لا توجد ثقافة يهودية عالمية مستقلة تحدد وجدان اليهود وسلوكهم وانما هناك ثقافات يهودية مختلفة باختلاف التشكيل الحضاري الذي يوجد اليهود داخله." المسيري الذي اشتهر بدراساته عما يطلق عليه الظاهرة الصهيونية كان يعمل أستاذا للأدب الانجليزي بجامعة عين شمس المصرية وهو حاصل على درجة الدكتوراه من احدى الجامعات الأمريكية عام 1969 عن دراسته المقارنة بين شاعرين عاشا في القرن التاسع عشر هما الانجليزي وليام ووردزورث (1770-1850) والأمريكي والت ويتمان (1819 - 1892). وكتب المسيري عددا من الدراسات عن اليهود وإسرائيل والصهيونية خلال أكثر من ثلاثين عاما آخرها موسوعة ميسرة عنوانها (اليهود واليهودية والصهيونية) التي صدرت منذ أشهر عن دار الشروق بالقاهرة ومركز زايد للتنسيق والمتابعة بدولة الإمارات العربية في مجلدين يلخصان موسوعته التي صدرت بالعنوان نفسه عام 1999 في ثمانية مجلدات.
سعد القرش رويترز - القاهرة 23 - 12 - 2004 |
|
|