|
العصر تنفرد بإجراء حوار مع القيادي في حركة النهضة التونسية علي العريض المفرج عنه مؤخرا أجرى الحوار الطاهر العبيدي
بعد مضي 14 سنة من الحبس الانفرادي، علي العريض الناطق الرسمي باسم حركة النهضة التونسية، يفرج عنه منذ 3 أيام ضمن عفو رئاسي شمل حوالي 79 إسلاميا، ولا زالت مئات من المساجين ومنذ عشرات السنين تقبع في السجون التونسية، تنتظر لفتة أخرى للتخلص من فضاعات القضبان، ومنذ اللحظة الأولى لسماعنا نبأ هذا الإفراج، اتصلنا بالمهندس علي العريض ليخصنا بهذا الحديث رغم تعبه وإرهاقه...
- ما هي الظروف التي تمّت فيها عملية الإفراج، وهل سبقتها مفاوضات غير علنية بين السلطة وقيادة النهضة في السجن، وهل هذا الإفراج هو نوعا من العفو المشروط، أم إفراج دون قيود، أم نقلة جديدة في توجهات السلطة؟ - بداية أقول أن هذه خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، وآمل أن تفضي إلى تسريح السجناء الباقين والذي عددهم يقارب 500 سجين إسلامي أو أكثر، وتنتهي هذه المأساة، حتى تتمكن تونس بكل فعالياتها وطاقاتها وأبنائها، من الخروج من هذه المحنة التي عطلت النمو في جميع اتجاهاته، حيث عاش المجتمع طيلة كل هذه المرحلة أزمة ثقة بين المواطن والدولة، ممّا انعكس سلبا على العديد الميادين التنموية، هذا وأؤكد من موقعي وبكل أمانة، أنه لم تقع أي مفاوضات سواء سرية أو علنية داخل السجن، ولم أسمع أن شيء من هذا القبيل قد حصل.
- ما هي تحديدا معالم الإفراج، في هذا الظرف بالذات، وهل كانت مرتبطة بتجديد الانتخابات، وهل هذا العفو هو نوعا من المصالحة أو التصالح وهل هناك من تنازلات؟ - هذا العفو هو سراح شرطي، وللعلم فإن من شملهم هذا العفو، هم أولئك الذين أشرفت مدّة سجنهم على الانتهاء، ولم يبق لهم سوى بعض الأشهر أو الأسابيع، وأعتقد أن هذا الإفراج جاء بمناسبة تجديد الانتخابات، وتزامنا مع حلول عيد السابع من نوفمبر، وهو التاريخ الشهري الذي تسلمت فيه السلطة الحكم...
- حسب علمكم كم عدد المفرج عنهم، وما هو موقعهم التنظيمي، فقد بلغ إلى علمنا أنه باستثنائكم انتم باعتباركم الناطق الرسمي لحركة النهضة، والدكتور زياد الدولاتي أحد القيادات السياسية البارزة، والمهندس التومي المنصوري من القيادات الجهوية ، والأستاذ مصطفى بن حليمة أحد القيادات الروحية، البقية من القيادات الوسطى ومن المتعاطفين فهل من توضيح؟ - ما علمته أن الذين أفرج عنهم يفوق الستين من أبناء حركة النهضة، وتقريبا 6 أو 10 سجناء من التنظيمات الأخرى، ولا زالت العديد من القيادات التاريخية بالسجن، من أمثال الدكتور صادق شورو، والشيخ محمد العكروت والشيخ الحبيب اللوز، و حمادي الجبالي، وعبد الحميد الجلاصي، وعلي شنتير ...وغيرهم وكلّ ما أرجوه أن لا يتأخر إطلاق سراحهم، وتبقى التفاصيل حول الرقم الدقيق ليست بحوزتي، ذلك لأني غير مطلع بما فيه الكفاية، فلا زلت خارجا من السجن وورائي 14 سنة سجن في زنزانة انفرادية، لهذا فالمعطيات تنقصني، وها هي مجلتكم تلقي علي القبض في اليوم الثاني من خروجي، دون أن أسترجع أنفاسي... ( يقول هذا مازحا معنا)
- هل يمكن أن نعتبر عملية الإفراج هذه دليلا على طيّ صفحة الماضي، ونوعا من التصالح السياسي في اتجاه ردم شروخ الماضي، وفتح صفحة أخرى في علاقة السلطة بالإسلاميين، وتعامل الإسلاميين بشكل مغاير مع أصحاب القرار؟ - أنا أعتبر أن هذا الذي يجب أن يكون، ومرة أخرى أوضّح أنه من المفيد للبلاد هو أن لا تبقى وضعية المساجين متأرجحة بهذا الشكل الدرامي، وحين أقول مساجين فلا تقتصر المأساة على من كان داخل السجن، فوراء المساجين هناك عائلاتهم وأبنائهم وأصدقائهم وجيرانهم، ومحيط كامل اكتوى سواء مباشرة أو غير مباشرة بهذه الوضعية، وكذلك المغتربين المهجّرين هم أيضا لهم أسر وأصدقاء وأقارب وأهل، وأهمّ من ذلك تربة البلاد التي لا شك هي وجع يحملونهم في صدورهم، لهذا فإن هذه الوضعية تشكل عائقا في الصعود والاستنهاض بالمجتمع المسالم بطبعه، والذي يتوق للحرية والعدالة الاجتماعية...
- لا شكّ أنك أحد الذين عانوا الكثير من السجن الانفرادي والعزلة، حيث قضيت مدة 14 سنة في العزلة الانفرادية، فلو تصف لنا هذه المحنة بإيجاز، لأننا ندرك أن الحديث عن هذه المأساة لا تحتمله مساحة صغيرة؟ - أشكرك على طلب الاختصار، وأنا بدوري لا يمكن لي أن أترجم مأساة سنين عبر بعض ذبذبات الهاتف النقّال، لأن هذه الوضعية الأليمة تعاش أكثر مما تحكى، لأن الزمن في السجن لا يقاس بالزمن العادي، فالساعة في سجون بهذه الوضعية تحسب أعوام، والسنوات عبارة على قرون، ويبقى السجن بخلاصة سريعة هو تدمير الإنسان وكل أنواع التكسير النفسي والقيمي.
- هل ستواصلون العمل السياسي أم هناك محاذير وشروط مسبقة أم ستغيرون المنهج؟ - بالنسبة لحركة النهضة ستستمر في العمل السياسي السلمي والإعلامي، للمساهمة في تنمية تقاليد الحوار الواعي والحر، والتعايش الديمقراطي مع كل الأطياف، لمحاولة المساهمة في بناء الوطن الذي يظلل الجميع...
- بعد هذه السنين الطويلة من السجن، وبعد هذه الضريبة الباهظة الثمن التي دفعتها حركتكم، من سجن وتعذيب وتشريد وتجفيف الينابيع، فهل تعتبرون ومن موقعكم وإلى حدّ ما، أنه كانت لكم مسؤولية في هذا الاشتباك بينكم وبين السلطة، الذي أفضى إلى هذه الكارثة؟ - إن الحق فوق الجميع، وإن كنا نستخلص العبر من السابق وفقا للواقع، وكلما تبيّن لنا خلل فسنكون من السبّاقين للمراجعة والنقد الذاتي، كي نتمكن من التجديد، مع ثبوت على المبادئ في إطار الاجتهاد ومراعاة التحولات، والتناغم مع روح العصر ومع متطلبات المرحلة.
- حركتكم تلقت ضربات قاسمة، بين السجن وقطع الأرزاق والبطالة والتجويع والتشريد، بمعنى أدق كانت مجزرة، وبالتالي فعملية الترميم تتراءى مهمة ثقيلة، فكيف ستواجهون هذه الهموم مستقبلا، وهل من خطة للململة الجراح، وما هي أولوياتكم و موقفكم من المغتربين؟ - سيدي الفاضل مطلوب مني أولا أن أستعيد ذاتي، فأنا طيلة 14 سنة في زنزانة انفرادية، وبالتالي قد يكون هذا السؤال مبكرا بالنسبة لي أنا على الأقل، فهناك اخوة في الداخل والخارج لهم اطلاع وإلمام بطبيعة التغيرات، ووضوح من حيث المعادلات والمتابعة القريبة، قد يكونون أعرف وأقدر منّي، على معرفة شكل المنهج والإجابة على هذه الاستفهامات...ومع ذلك فالأولوية الملحة هو العمل من أجل سن عفو تشريعي عام وهدفنا هو إطلاق جميع المساجين وعودة جميع المغتربين...
- هناك تيار في حركة النهضة داخل وخارج البلاد، يحمّل جزءا من هذه الكارثة إلى قيادات الحركة التي لم تحسن القراءة السياسية في ذاك الوقت، ولم تكن لها رؤيا سياسية استشرافية، فما هو توضيحك على هذا الرأي؟ - من الطبيعي أن تقع الأخطاء في ممارسة أي عمل سياسي، فالعمل السياسي هو اجتهاد بشري وليس نوعا من الوحي المعصوم...
- كلمة أخيرة؟ - أهنئ كل الذين أطلق سراحهم، وأهنئ عائلاتهم وكل الشعب التونسي، كما أحيّي كل الإعلاميين والمنظمات والجمعيات والمحامين والدول والشخصيات، الذين طيلة كل هذه السنين لم يبخلوا في مساندة قضيتنا، والعمل من أجل إطلاق سراحنا، وأقول لهم جميعا شكرا وأن التاريخ سوف لن ينسى لكم هذا الصنيع.
لمحـــــــة
- علي العريض من مواليد مدينة مدنين بالجنوب التونسي. - تخرّج مهندسا أولا من مدرسة البحرية التجارية بالساحل التونسي. - وجه تنظيمي بارز في حركة النهضة التونسية منذ الثمانينات.
مجلة العصر 07 - 11 - 2004 |